المكتبة الفقهية

فقه اللباس والزينة عند المالكية

اسم المؤلف: 

فرحات عبد العاطي سعد

المقدمة

فإن الفقه الإسلامي كان وما يزال هو القانون الذي ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بغيره من بني جنسه، وكان الأساس في وضعه هو الوحي يقول تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى).

ولم ينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن كمل هذا الدين القويم الذي أراده رب الناس للناس، يقول الله تعالى: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) .

ولقد ترك فقهاؤنا القدامى كنوزًا فقهية عظيمة، ومطلوب من الباحثين أن يستخرجوا هذه الكنوز من ثنايا كتبهم ويقدموها للناس بأسلوب سهل واضح يفهمه الناس بدون عناء ومشقة.

ولما كان موضوع "اللباس والزينة" من الأمور المهمة في حياة المسلم، ويشتمل فقهه على الكثير من الأحكام التي قد يغفل عنها الكثير من المسلمين خصوصًا في هذا الزمان، ولما كان الفقه المالكي يحتاج إلى تبسيط الأحكام الخاصة بهذا الموضوع، وإلى الأدلة التي اشتهرت بندرتها في المذهب المالكي، لما كان الأمر كذلك رأيت أن أدلو بدلوي في هذا الموضوع الهام وأساهم .. قدر جهدي المتواضع في إلقاء المزيد من الإيضاح على الأحكام والأدلة المتعلقة بفقه اللباس والزينة عند السادة المالكية بأسلوب سهل واضح.

 

وندعو الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأخلص العمل على نشر شريعة الإسلام.

 

خطة البحث

سنبحث موضوع اللباس والزينة عند المالكية في ثلاثة فصول وخاتمة:

الفصل الأول: ونتحدث فيه عن العورة وسترها.

وهذا الفصل سوف نقسمه إلى أربعة مباحث:

المبحث الأول: ونتحدث فهي عن تعريف العورة وبيان حكم سترها.

المبحث الثاني: ونتحدث فيه عن عورة الرجل.

المبحث الثالث: ونتحدث فيه عن عورة المرأة.

المبحث الرابع: ونتحدث فيه عن اللباس الشرعي.

الفصل الثاني: ونتحدث فيه عن النظر وأحكامه.

الفصل الثالث: ونتحدث فيه عن ما يباح من الزينة وما يحرم.

وهذا الفصل سوف نقسمه إلى مبحثين:

المبحث الأول: ونتحدث فيه عن التزين بالذهب والفضة.

المبحث الثاني: ونتحدث فيه عن حكم الوصل والوشم والنمص والتفليج.

الخاتمة: ونتحدث فيها عن أهم نتائج البحث.

 

الخاتمة

تبين لنا من خلال البحث أن العورة هي في الأصل كل ما يتوقع منه ضرر وفساد، وكانت المرأة عورة لتوقع الفساد من رؤيتها.

تبين لنا من خلال البحث أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة إذا كان الشخص قادرًا على السترة، فإن ترك الستر مع القدرة فإنه يطالب بإعادة الصلاة.

تبين لنا أن عورة الرجل في الصلاة هي ما بين سرته وركبتيه، إلا أنه من الأفضل له تغطية سائر جسده، أو على الأقل أن يستر أكتافه، بمعنى أنه يكره له أن يصلي مع كشفها.

وعورة الرجل خارج الصلاة مع رجل مثله هي ما بين السرة والركبة، وعلى هذا يكون فخذ الرجل عورة مع مثله بناء على الرأي المشهور في المذهب ويحرم كشفه.

وعورة الرجل مع زوجته أن له أن ينظر إلى جميع جسد زوجته ويدخل في ذلك الفرج على المعتمد في المذهب.

وعورة الرجل مع المرأة المحرم له هي ما بين السرة والركبة، وهذا معناه أنه يجوز للمرأة أن تنظر من محرمها جميع البدن عدا ما بين السرة والركبة، وهذا مقيد بما إذا لم توجد شهوة وإلا حرم النظر.

وعورة الرجل مع المرأة الأجنبية هي ما عدا الوجه والأطراف، والمراد بالأطراف: ظهور القدمين والذراعين والشعر، وهذا معناه أنه يجوز للمرأة أن تنظر من الأجنبي الوجه والأطراف، وهذا مقيد بما إذا لم توجد لذة وإلا حرم.

وتبين لنا أن عورة المرأة في الصلاة هي جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين، ويشترط في ساتر جسدها أن يكون كثيفًا متينًا لا يصف العورة، وألا يكون شفافًا حيث يظهر البشرة تحته.

وعورة المرأة خارج الصلاة مع امرأة مسلمة هي ما بين السرة والركبة، وعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى المرأة لما بين السرة والمركبة أو أن تمسه.

وعورة المرأة مع المرأة غير المسلمة هي جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين، لئلا تصف غير المسلمة لزوجها الكافر.

وعورة المرأة مع زوجها: يجوز للمرأة أن تنظر إلى جميع جسد زوجها بما في ذلك عورته المغلظة.

وعورة المرأة مع رجل محرم لها: هي جميع بدنها ما عدا الوجه والأطراف، وهو شامل لشعر الرأس والقدمين والذراعين، فليس له أن يرى ثديها وساقاها.

ويكره للمرأة أن تتعمد كشف غير العورة إلى محرمها؛ لأن القصد مظنة الالتذاذ وهو ممنوع.

وعورة المرأة مع الرجل الأجنبي المسلم هي جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين، وعلى هذا يجوز للأجنبي المسلم النظر لوجه المرأة الأجنبية وكفيها، لكن يكره إذا كانت شابة؛ لأن الشابة لا تؤمن الفتنة بها والتلذذ بالنظر إليها.

ولكن إذا وجد سبب أو عذر يدعوه للنظر إليها فيجوز له النظر إليها من غير كراهة، كما إذا أراد خطبتها أو كان طيبًا وأراد علاجها ولم توجد طيبة مسلمة.

وعورة المرأة مع الأجنبي غير المسلم هي جميع جسدها بما في ذلك الوجه والكفين.

وتبين لنا أن الإسلام حث على حسن الهيئة واللباس، فغير ما نهى الله عنه من الثياب التي يتزين بها ويتجمل بلباسها غير حرام؛ لأن الله تعالى جميل يحب الجمال؛ ولأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

وتبين لنا أن من شروط اللباس الشرعي: أن يكون اللباس ساترًا للعورة، وهذا الساتر يشترط فيه أن يكون كثيفًا متينًا لا يصف العورة، وألا يكون شفافًا بحيث يظهر ما تحته من بشرة ومن شروطه أيضًا: ألا يكون حريرًا بالنسبة للرجال لما فيه من الفخر والخيلاء ولكونه ثوب رفاهية وزينة فيليق بزي النساء دون الرجال، وأيضًا لما فيه من السرف.

ومن شروطه أيضًا بالنسبة للمرأة: ألا تلبس الرقيق من الثياب الذي يصف ما تحته؛ لأن ذلك من التبرج وإبداء الزينة المنهي عنه، وهذا في حالة خروجها من بيتها، أما في داخل بيتها مع زوجها فهذا جائز.

ومن شروطه أيضًا: ألا يقصد به الافتخار والتكبير؛ لأن ذلك ممنوع في الشرع.

ومن شروطه أيضًا: عدم تشبه كل من الرجل والمرأة بالآخر في الملبس، أي أنه ينبغي على الرجل ألا يلبس ثياب المرأة التي تعورف في المجتمع على أنها خاصة بالنساء، وينبغي على المرأة ألا تلبس ثياب الرجل التي تعورف في المجتمع على أنها خاصة بالرجال، ومن يخالف ذلك يتعرض للعن من الله تعالى.

وتبين لنا أنه يجوز للرجل والمرأة لبس الثياب المصبوغة بالألوان المختلفة، ما لم يكن في لبس الرجل لهذه الثياب تشبه بالنساء وإلا حرم.

وتبين لنا أنه لا يجوز النظر من المرأة للرجل، ولا من الرجل للمرأة إذا كان ذلك بقصد الالتذاذ أو يخشى معه الفتنة، لا فارق في ذلك بين ما إذا كان كل من المرأة والرجل أجنبيًّا عن الآخر، أم كان كل منهما محرمًا للآخر.

وتبين لنا أن التختم بالذهب حرام على الرجال حلال للنساء بإجماع العلماء، وأنه يجوز للرجل أن يتختم بالفضة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وفق شروط ذكرناها، وأنه يكره التختم بالحديد والنحاس والرصاص ونحوها للنساء والرجال على المشهور في المذهب؛ لأنه مما يتزين به أهل النار.

وتبين لها أنه يحرم على الرجل استعمال المحلى بالذهب والفضة نسجًا أو طرزًا أو غيره إلا في حالة السيف والمصحف وربط السن وفق الشروط التي وضحناها في البحث.

وتبين لنا أنه يحرم على الرجل والمرأة استعمال إناء مصنوع من ذهب أو فضة، بمعنى أنه لا يجوز فيه أكل ولا شرب ولا طبخ ولا طهارة.

وكذلك يحرم اقتناؤه، أي: ادخاره ولو لعاقبة الدهر؛ لأنه ذريعة للاستعمال، وسد الذرائع واجب وفتحها حرام .

وتبين لنا أنه يحرم على المرأة وصل الشعر بشعر آدمي أو بشعر غير آدمي، لما في ذلك من تدليس وتغرير وتغيير لخلق الله تعالى، كمن يكون شعرها قصيرًا أو حقيرًا فتطول له أو تغزره بشعر غيرها، فكل ذلك يعتبر تغييرًا لخلقته.

وتبين لنا أنه يحرم على والمرأة والرجل الوشم سواء كان في يد أو غيرها من الجسد، بقصد الزينة والتجمل، لما فيه من الغرر والتدليس، ولما فيه من تبديل للخلقة وتغيير للهيئة وهذا حرام.

وهذا التغيير للخلقة إنما يتم بإضافة ما هو باقٍ في الجسم عن طريق الوخز بالإبر مثلاً بدون حاجة ولا ضرورة. أما التغيير للخلقة بما لا يكون باقيًا في الجسم كتكحيل العين بالإثمد وخضاب اليدين والقدمين بالحناء فلا يدخل في النهي.

وتبين لنا أنه يحرم على المرأة والرجل النمص وهو نتف الشعر من الوجه حيث لعن الله فاعله، واللعن لا يكون إلا على أمر محرم شرعًا. وعلة النهي لما فيه من تدليس وتبديل للخلقة وتغيير للهيئة وهو حرام.

وتبين لنا أنه يحرم على المرأة التفليج الذي هو برد الأسنان بمبرد ونحوه لتحديدها وتحسينها، أي: أن يفرج بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه، الذي ربما تصنعه المرأة التي تكون أسنانها متلاصقة لتصير متفلجة، وقد تفعله الكبيرة لتوهم أنه صغيرة؛ لأن الصغيرة غالبًا تكون مفلجة الأسنان ويذهب ذلك في الكبر.

وفي تعقيبنا على موضوع الوشم والوصل والنمص والتفليج رأينا أن الإقدام على هذه الأفعال إن كان مقصودًا به التزين للزوج أو للعلاج فلا شيء فيه، إذ لا تدليس هنا، ولا يقال فيه: إنه تغيير لخلق الله؛ لأنا نقول: ليس كل تغيير منهي عنه، ألا ترى أن خصال الفطرة كالختان وقص الأظافر والشعر وغيرها جائز ؟

فالتغيير للجمال غير منكر في الشرع.

ومعنى ما سبق أنه ينبغي أن تتقيد الحرمة في هذه الأفعال التي جاءت الأحاديث بالنهي عنها بما إذا فعلته المرأة تدليسًا على الرجل حتى يقدم على الزواج منها، أو فعلته بقصد التبرج والزينة للرجال الأجانب، وأما غير ذلك كما إذا فعلته تزينًا للزوج أو بقصد العلاج لشيء يؤلمها فلا شيء في ذلك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

تحميل البحث: 

العودة للخلف