المكتبة الفقهية

أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي وأهم ميزات المدرسة البغدادية

اسم المؤلف: 

الأستاذ: الحبيب بن طاهر

المقدمة وبعد:

فإن من أعظم ما يميز أمة الإسلام عن غيرها من الأمم أن مسيرتها العلمية مترابطة حلقاتها، من أول انطلاقتها إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، يسعى اللاحق من علمائها إلى دراسة ما خلفه سلفه تقويمًا وتصحيحًا وبناء عليه. فلا تجد قطيعة ولا صراعًا بين أجيال هذه الأمة. بل إن المتأخر منها لا يجد هويته ولا تتحقق ذاته إلا بانتمائه لمن سبقه.

وسيظل هذا التواصل قائمًا بين الأجيال ما بقي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. إذ هما يمثلان معًا المرجع الوحيد الذي تأسس عليه علوم المسلمين ومعارفهم على اختلافها وتنوعها.

ومن هنا كان كل عالم من علماء الإسلام ونابغة من نوابغه محل افتخار كل جيل من أجيال المسلمين، وكل عصر من عصورهم.

وكان حقًا على المسلمين الاعتراف لهم بالجميل وإحياء ذكراهم، بالتعريف بهم

وبجودهم في خدمة الإسلام وعلومه، ونشر تراثهم، حتى يكونوا منارات اهتداء في حياة المسلمين.

وإلى جانب علماء سائر المذاهب الفقهية، فإنَّ علماء المذهب المالكي وعلى رأسهم إمام المذهب مالك بن أنس- رضي الله عنه- يمثلون تيارًا مهمًا ومتميزًا في تأسيس وبناء النظام التشريعي في حياة الأمة، وتمكين المسلمين من التصرف على وفق أحكام الشريعة الإسلامية في جميع مجالات حياتهم. ومن أهميته وتميزه الثراء التشريعي الذي ينطوي عليه، وتعدد مدارسه، واختلاف أنظار روادها في تطبيق المذهب، وتحرير أصوله، ودراسته، وتدوينه.

وسيتناول هذا البحث بالدراسة أسباب تعدد المدارس داخل المذهب المالكي، وما امتازت به إحداهما- وهي المدرسة العراقية- عن غيرها.

 

الخاتمة

لقد عرف المذهب المالكي بتعدد المدارس داخله. ومن خلال البحث تبين أن هذا التعدد قائم على اعتبارات ثلاث:

- باعتبار المادة الفقهية المنسوبة لإمام المذهب، التي يختص بها كل بلد عما سواه.

- باعتبار اختلاف بعض أصحاب الإمام مع إمامهم. في منهج العمل بالسنة النبوية.

- باعتبار منهج دراسة المذهب والتأليف فيه.

ومن ثم فعدد المدارس التي ينقسم إليها المذهب يختلف من اعتبار إلى آخر.

 

ا- فأمَّا بالاعتبار الأول:- فتعدد المدارس يرجع إلى منهج الإمام مالك في تقويم اجتهاده القائم على المراجعة الدائمة لآرائه وفتاويه، وعلى التنقيح المستمر لرواياته للأحاديث النبوية. وهذا المنهج صاحبته عوامل جعلته يؤثر في نشوء المدارس. وأهم هذه

العوامل:

- اختلاف أصحاب الإمام - مع كثرتهم - في فترات الأخذ والتلقي عنه، بحيث كان ما يسمعه البعض قد لا يسمعه البعض الآخر. وقد يقضي البعض مدة طلبه العلم ويعود لبلده، ويأتي البعض الآخر ليبتدئ مدة طلبه، فيسمع ما قد يكون الإمام رجع عنه من آراء، فتختلف سماعات من رجع لبلده عن من جاء بعده.

- النشاط التدويني للفتاوى وللموطأ، الذي قام به أصحاب الإمام، واستمر في عهد تلاميذهم، وأسفر عن تدوين المصنفات الفقهية: الواضحة والمدونة والمستخرجة والمجموعة والموازية والمبسوط.

- قيام أصحاب الإمام بالاجتهاد في ضوء أصول إمامهم، في القضايا التي لم يكن لهم فيها نص عنه، وفي كثير من المسائل التي رأوا أنه جرى فيها على غير أصوله، فخالفوه فيها.

وأمام اعتقاد كل صاحب بصحة ما سمع عن مالك، وصحة اجتهاده هو، وأمام تمسك أهل كل بلد بما سبق إليهم من أقوال الإمام وفتاويه، واجتهاد أصحابه المنتسبين لبلدهم، أو الذين تأثروا بهم من بلدان أخرى، من خلال الرحلات، فقد تجمعت لدى علماء كل بلدة مادة فقهية تنسب لإمام المذهب ولأصحابه الذين أثروا فيهم، لا توجد عند غيرهم.

وعلى ذلك تعددت المدارس داخل المذهب، إلى مدرسة مدنية، ومدرسة إفريقية قيروانية، ومدرسة أندلسية، ومدرسة عراقية.

 

2- ومن ناحية الاعتبار الثاني:- فتعدد المدارس به راجع إلى اختلاف بعض أصحاب إمام المذهب مع إمامهـم في منهج العمل بالأحاديث النبوية، إذ كان منهج مالك في ذلك أنه يترك العمل بحديث الآحاد، ويقدم عليه عمل أهل المدينة فيما طريقه النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تعارضا. وذلك عنده من باب الترجيح بين الروايات، وتقديم العمل المتواتر على الخبر الآحاد.

لكن هذا المنهج وجد معارضة من بعض أصحابه، أبرزهم أصحابه المدنيون، وابن وهب من مصر. وعن طريق هذين المسلكين انتشر هذا الخلاف في الجهات والبلدان التي ينتشر فيها المذهب المالكي.

وبهذا الاعتبار انقسم المذهب إلى مدرستين:-

- المدرسة العملية: نسبة للعمل المرجح عندها.

- المدرسة الحديثة: لتقديمها الحديث الآحاد على عمل أهل المدينة.

ومع انفتاح علماء الأقطار على بعضهم، بتكثف الاتصال فيما بينهم، واطلاعهم على مصنفات بعضهم، اللذان انطلقا مع تلاميذ الأصحاب واستمر بعدهم، احتاجوا إلى ترجيح إحدى الروايات المنقولة عن الإمام مالك من بين الروايات المختلفة، وتوصلوا إلى اعتبار ابن القاسم هو معيار هذا الترجيح، كما اعتبروا مدونة سحنون أصح وثيقة في ذلك.

وبترجيح المدونة، ترجحت آراء الإمام وأقوال ابن القاسم على غيرها. كما ترجح منهج الإمام في العمل بالسنة النبوية، إذ كان ابن القاسم زعيم هذا المنهج بعد إمام المذهب.

 

3- وأمَّا سبب تعدد المدارس بالاعتبار الثالث:- فهو وجود علماء المالكية بالعراق في محيط علمي مختلف الاتجاهات الفكرية ومتعدد المذاهب. سعي أصحابها الدؤوب الاحتجاج لمذاهبهم ونصرتها، ومناقشة آراء مخالفيهم فيما يختلفون معهم من مسائل الخلاف الفقهية والأصولية، مما جعل حركة تأصيل الأصول وتحرير الدلائل ومجادلة المخالفين خاصة في الحركة العلمية بالعراق. فعمل علماء المالكية بهذا القطر على اكتساب هذه الخاصية والتمرس على أساليبها وقواعدها. وأصبحوا بذلك يتميزون - في دراسة المذهب والتأليف فيه - عن نظرائهم في بقية الأقطار. إذ كانت دراسة هؤلاء للمذهب تقوم على جمع الروايات واختصار المصنفات وتلخيصها وشرحها وتهذيبها وتنظيم أبوابها وترتيب مسائلها. لا يقدرون في باب الاستدلال على أكثر من إيراد النصوص الدينية. ويعجزون عن مجادلة المخالفين ورد الشبه عن المذهب، فضلا عن نقض آرائهم.

وباعتبار منهـج دراسة المذهب والتأليف فيه، فالمذهب المالكي يقوم على مدرستين: المدرسة العراقية، والمدرسة المقابلة لها وتضم علماء المذهب في بقية البلدان.

والله أعلم

 

تحميل البحث: 

العودة للخلف