المكتبة الفقهية

الجدل الفقهي عند مالكية بغداد

اسم المؤلف: 

د. محمد العلمي

المقدمة

ينتمي الجدل الفقهي إلى مجال النظر الفقهي والاستدلال، وهو القسيم المقابل لمجال التفريع والتطبيق والعمل ومنذ نشأة المذهب المالكي وتاريخه المبكر تخلقت فيه مدرستان للاشتغال والدرس والتاليف:

أولاهما:

مدرسة النظر الفقهي والحجة، وتقوم على خدمة جوانب تأصيلية من المذهب وذلك بدءًا من استقراء أصوله وقواعده وفروعه، إلى الذب والمحاماة عنه، ومناظرة مخالفيه، إلى الاستدلال لأحكامه وفروعه، وقد عرف لهذه المدرسة أعلام ورموز مبثوثة في الربوع التي امتد فيها مذهب مالك وانتشر.

‏ينزع هذا الاتجاه إلى الاحتجاج والاستدلال بمفهومه الواسع، وإلى الجدل وسيلة للنظر في مسائله والبرهان عليها، وإلى الاستقراء أداة منهجية لأحكامه وتقريراته الكلية.

‏وقد أفرز نطًا متفردًا من المصنفات في المذهب، هي مصنفات القواعد والأصول، والحجة وأحكام القرآن وشروح الحديث والفروق، والرد والتوسط ومسائل الخلاف.

‏كما حفظ لنا فيه معجم من المصطلحات ميز درسه الفقهي وأعلامه ووجوه الاجتهاد فيه، منها: (النظر -القيام بالحجة- الاجتهاد - إنكار التقليد- موافقة الأصول - كان من النقاد - ضايقه في المناظرة -أليق بالأصول..)، إضافة إلى المصطلحات والمفاهيم المعرفة في علم الجدل: (الاعتراض-المعارضة-السؤال - الجواب - التسليم- النقض- الكسر..).

 

‏والمدرسة الثانية:

هي مدرسة التفريع المذهبي وتطبيق المسائل على النوازل، وهي تهتم بالعمل بالمذهب، وذلك بالنظر في المسائل والفروع المروية فيه، وتطبيق أحكامه على الوقائع والنوازل، وقد عرف لهذه المدرسة تيار مستقل داخل المذهب في كل أمصاره وطبقاته وينزع هذا الاتجاه إلى الإعداد ‏المنهجي لمصادر الإفتاء ومدارك الأحكام، بدءًا من ‏ترتيب ما روي عن مالك وأصحابه من مسائل وأجوبة وتصنيفها وتوثيقها، إلى جمع النوازل والأحكام اللاحقة، ورصد ما جرى به العمل منها ليعتمد في الفتوى والحكم.

‏وقد أبقى لنا تراثًا واسعًا من المصنفات ينتظمها علم النوازل والأحكام والوثاثق ‏والشروط والتوقيت والفرائض، وعددًا واسعًا من كتب المسائل المروية عن مالك، ومن الجهود المختلفة عليها.

‏كما حفظ لنا فيه معجمًا من المصطلحات الخاصة بتقويم الاشتغال الفقهي فيه ووصف أئمته وأعلامه وقضاياه المنهجية، مثل قولهم: (عليه العمل- به القضاء- كان أعلمهم بالوثائق وعللها - أبصرهم بقول مالك وابن القاسم- إليه انتهى علم الأقصية..)، ويستند في اشتغاله إلى جملة من المصطلحات والمفاهيم الأصولية المتفرعة من المصلحة المرسلة، والعرف والعمل والقياس: (التخريج – الإجراء - التوجيه – الاستقراء - مراعاة الخلاف - الخلاف في حال..)

‏وهذان المنهجان داخل المذهب لم يكونا منفصلين بل إن عددًا من المالكية برعوا في الاتجاهين واشتهروا بالطريقين، إلا أن المدرسة الحجة في اتجاه النظر لدى المالكية، هي ‏مدرستهم العراقية، والمدرسة المرجوع إليها أكثر في الاتجاه التفريعي العملي هي مدرمة الأندلس، والتى ورثتها مدرسة المغرب الأقصى منذ عهد المرينيين» وبين المدرستين تقع ‏مدرسة القيروان ومدرسة مصر.

‏وسبب وجود هذين المصرين: العراق والأندلس، في الطرفين فيما يتعلق بخصائص الاشتغال الفقهي يعود قدر كبير منه إلى البيئة، فالعراق في تاريخ الإسلام معدن العلم ومناخ الفنون ومحط ركاب العلماء من كل الأرجاء في كل المعارف، وفي مثل هذا المعنى يقول عبد الله بن المقفع (ت 145): «إن في أهل العراق.. من الفقه.. والألباب والسنة ‏شيئًا لا يكاد يشك أنه ليس في جميع من سواهم من أهل القبلة مثله ولا مثل نصفه» مما كان السبب في استفراد العراق بأهل النظر الألمعيين في كل العلوم ولكل المذاهب واتجاهات الرأي كما معروف، مما ألمع إليه أبو بكر الخطيب البغدادي (ت463‏) في تاريخ بغداد في «باب المحفوظ من مناقب بغداد وفضلها وذكر المأثور من أخلاق أهلها».

‏في حين يعلل تبريز علماء الأندلس في فنون النظر التطبيقي والتفريع في المذهب المالكي والاهتمام به دون سواه والاقتصار عليه وعدم الخروج عليه إلى غيره من المذاهب

‏ببيئتها وتاريخها الذي سمح بتفردها بهذا النمط، كما يحكيه ابن العربي في العواصم حيث يقول: «وكان سبب ذلك أن الفتن لما ضربت رواقها، وتقاتلت العباسية والأموية، ‏وبعدت أقطار الإسلام... نفذ إلى هذه البلاد بعض الأموية فألفى هاهنا عصبية فثاروا بها... وقال: أحمى السنة فلا فقه إلا فقه أهل المدينة، ولا قراءة إلا قراءتهم، ولم يمكنهم من النظر والتخيير في مقتضى الأدلة متى خرج عن رأي المدينة...» .

‏والذي يهمنا من هذا التقديم أن نضع موضوع الجدل الفقهي عند مالكية العراق ضمن اتجاهه العام وسمته الكلية، ونحن نجمع عناصره وأطرافه في هذه الورقة من زاويتين، الأولى: الدلائل والعوامل، والثانية: الدرس الجدلي لدى علمائهم.

 

تحميل البحث: 

العودة للخلف