المكتبة الفقهية

السمات الأساسية للمدرسة المالكية بالعراق ومظاهر الالتقاء والافتراق بينها ‏وبين المدارس المالكية الأخرى

اسم المؤلف: 

أ. د. محمد حسين قنديل

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والمبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

‏وبعد

‏فإن الحديث عن المذهب المالكي: بين ملامح مدرسته الأولى، وخصائص المدرسة العراقية، يستدعي أولًا: بيان أهمية بغداد مركزًا للحركة العلمية، ودخول المذهب المالكي إليها، وانتشاره في العراق منها، فنقول: كانت بغداد عاصمة للخلافة العباسية فترة كبيرة، وتعد من أكبر البلاد الإسلامية التي نشطت فيها الحركة العلمية بكل أنواعها وفنونها.

‏كما كانت مركزًا عظيمًا للرحلة العلمية انطلاقًا منها، واتجاهًا إليها، لطلاب العلم والمناظرات، والبحث عن كل جديد من أنواع المعرفة.

‏وقد انتشر المذهب المالكي في بلاد العراق في حياة الإمام مالك - رحمه الله تعالى - على يد أصحابه وتلاميذهم، ثم تطور الانتشار شيئًا فشيئًا، حتى أصبح في كل بلد مدرسة للمذهب المالكي.

‏وكان لكل مدرسة خصوصياتها التي تتميز بها عن غيرها، وقد تلتقي بعض المدارس ‏في ميزة من المميزات، وتفترق في البعض الآخر، ويمكن أن تلتقي جميع المدارس وتمتزج في مرحلة من المراحل، كما سيتضح في تفصيلات البحث.

‏وقد ركزت على إبراز خصائص المدرسة المالكية ببغداد، وأوضحت مواطن الالتقاء والافتراق بينها وبين المدارس المالكية الأخرى، وذلك من خلال عرض تأثير المدرسة المالكية العراقية في الدارس المالكية الأخرى وتأثرها بهم، وتفصيل ما سبق وفق الخطة التالية:

مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مطالب، وخاتمة، وقائمة بأهم المراجع.

1- المقدمة: وتتضمن أهمية البحث وخطته.

2‏- التمهد: وذكرت فيه لمحة تاريخية عن نشأة المدرسة المالكية في العراق.

3- المطلب الأ ول: في بيان السمات الأساسية للمدرسة المالكية ببغداد.

4‏- المطلب الثاني: في تأثير المدارس المالكية غير العراقية في مدرسة بغداد المالكية.

5- المطلب الثالث: تأثير المدرسة المالكية ببغداد في المدارس المالكية الأخرى.

6‏- الخاتمة: وتتضمن أهم نتائج البحث.

7- قائمة بأهم المراجع.

‏أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به طلاب العلم والمسلمين آمين.

‏وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم آمين.

‏إعداد

‏الأستاذ الدكتور/محمد حسين قنديل

أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة - جامعة الكويت

 

‏التمهيد

ويتضمن لمحة تاريخية عن نشأة المدرسة المالكية في العراق.

‏كان للإمام مالك تلاميذ كثيرون لازموه وأخذوا عليه العلم بجميع فروعه، فرووا عنه الحديث، وتفقهوا بمذهبه، والتزموا أحواله الاجتهادية.

‏ولما رجعوا إلى بلدانهم حملوا معهم ثروة علمية كبيرة، حملوا موطأ الإمام، وهو كتاب جمع فيه بين السنة النبوية ونقد مروياتها، وحملوا فقهه وأقواله وأصوله، وأخذوا ينشرون كل ذلك في بلدانهم وذلك بالتدريس والإفتاء ورواية السنة، وبعضهم تولى القضاء، فانتشر بذلك المذهب المالكي في شتى بلاد العالم الإسلامي: في مصر، وإفريقية والأندلس والعراق.

‏ففي مصر كان ابن القاسم(ت 191هـ)، وأشهب (ت 204هـ).

‏وفي إفريقية أسد بن الفرات (ت 214هـ).

‏وفي الأندلس يحيى بن يحيى الليثي(ت 224هـ).

‏وفي العراق انتشر المذهب المالكي عن طريق جماعة من أصحاب مالك منهم:

1- سليمان بن بلال (ت 176هـ)، وهو أول من جلس إلى مالك عندما تحول الإمام عن مجلس ربيعة وتصدر للتدريس، وقد ولاه الرشيد قضاء بغداد.

2 ‏- عبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ)، عبد الله بن مسلمة القعنبي (321هـ)، سكنا البصرة.

3‏- محمد بن عمر الواقدي (ت 207هـ) سكن بغداد وتولى القضاء بها للرشيد والأمون.

‏فعن هؤلاء العلماء بدأ انتشار المذهب المالكي في العراق وتفقه عليهم جماعة من كبار المالكية مثل:

1- أحمد بن المعدل بن غيلان بن الحكم تفقه على مدنيين من أصحاب مالك.

2 ‏- محمد بن سلمة (ت 216هـ).

3 ‏- عبد الملك بن الماجشون (ت 213هـ)، كان أعلم أصحاب مالك بالعراق.

4‏- الحارث بن مسكين المصري تفقه على كبار أصحاب مالك المصريين كابن القاسم وغيره.

‏5- أسرة ابن حماد: نسبة إلى حماد بن زيد، وأصلها من فارس تحولت إلى بغداد ‏وكانت قريبة من الخليفة المأمون، فساعد ذلك على انتشار المذهب المالكي في العراق.

‏وقد وصفهم القاضي عياض بأنهم أئمة هذا المذهب وأعلامه بالعراق، وهم الذين نشروه، ومنهم اقتبس، وتقلدوا ببغداد المظالم والفتيا والقضاء والتدريس.

‏وأشهر علماء هذه الأسرة هو القاضي إسماعيل بن حماد (ت 282هـ)، صاحب ‏كتاب المبسوط الذي ذاع صيته بالعراق وخارجها، وتولى القضاء ببغداد مدة تزيد على ثلاثين سنة، وكان هو المؤسس الحقيقي لمدرسة المالكية ببغداد، ثم جاء من بعده إبراهيم ابن حماد ابن إسحاق(ت 323هـ)، والقاضي أبو الفرج عمر بن محمد الليثي ‏البغدادي(ت 321هـ ‏)، وهما من أساتذة أبي بكر الأبهري (ت 375هـ‏) الذي بذل كل ما في وسعه لتدريس ونشر المذهب المالكي ومواصلة الطريق الذي ابتدأه العلماء السابقون له.

‏وكذلك فعل ابن الجلاب (ت 378هـ)، وابن القصار (ت 398هـ)، ‏والباقلاني(ت 403هـ)، والقاضي عبد الوهاب البغدادي (ت 422)، الذي تتلمذ ‏وأخذ المذهب عنهم، وكانوا جميعًا لهم الفضل في تثبيت وتأصيل أركان المذهب المالكي في العراق، كما ساهموا وغيرهم من علماء المالكية في الحجاز ومصر والمغرب وإفريقية والأندلس في نشر المذهب وتعزيزه بعلمهم ومؤلفاتهم حتى قيل: (لولا الشيخان والمحمدان والقاضيان لذهب المذهب المالكي، فالشيخان: ابن أبي زيد وأبو بكر الأبهري، والمحمدان: محمد بن سحنون ومحمد بن المواز، القاضيان: أبو محمد عبد الوهاب وأبو الحمن بن القصار البغداديان) .

‏وفي بداية القرن الخامس الهجري وقع النزاع بين المذاهب الفقهية في العراق، وخاصة الشافعية الذين قويت شوكتهم عند الخليفة بواسطة رئييمهم أبي حامد الإسفراييني ‏(ت 406هـ)، واستطاعوا إزاحة المالكية من تقلد المناصب العامة، واضطر القاضي عبد الوهاب لترك بغداد والارتحال إلى مصر بسبب هذا العداء من الشافعية.

‏وبدأ المذهب المالكي يضعف في العراق، ولم يظهر بها إلا نادرًا بعد أن انتقلت الريادة ‏إلى الشافعية والحنابلة والحنفية.

 

 

الخاتمة ‏بعد استعراض هذه الدراسة المتعلقة بخصائص المدرسة المالكية بالعراق ومظاهر الالتقاء الافتراق بينها وبين المدارس المالكية الأخرى، نستطيع أن نستخلص النتائج الآتية:

1- كانت بغداد عاصمة الدولة العباسية عاصمة علمية، ومركزًا عظيمًا للرحلات ‏العلمية انطلاقًا منها واتجاهًا إليها، يفد إليها طلاب العلم والمناظرات، وظل هذا حالها منذ تأسيسها وحتى عصر القاضي عبد الوهاب، والى ما بعد ذلك.

2‏- دخل المذهب المالكي العراق في حياة الإمام مالك على يد أصحاب الإمام وتلاميذهم، ثم تحول إلى مدرسة لها خصوصيتها في نشر المذهب والدفاع عنه من خلال المؤلفات والمنهج الذي تميزت بهما على بقية المدارس.

3 ‏- تميز أصحاب الإمام وتلاميذهم بما كان يتميزبه إمامهم، وهو الجمع بين إمامتي الفقه والحديث، وظهر ذلك في مؤلفات المالكية ومنهجهم، وظل هذا متوارثًا عبر طبقات فقهام المذهب بالمدرسة البغدادية وغيرها مع بعض التفاوت في درجة الجمع بين الفقه والحديث، إلى أن نجده متمثلًا في القاضي عبد الوهاب ومؤلفاته.

4- تأثر تلاميذ الأصحاب الذين قاموا بنشر المذهب المالكي بالعراق بمنهج المدرسة المدنية، وذلك من خلال رحلاتهم العلمية إليها والالتقاء بأصحاب مالك وأخذهم عنهم أقوال مالك ورواياته للحديث، كما أخذوا عنهم فتاواهم ورواياتهم، ثم رجعوا إلى بلادهم يحملون ثروة علمية مدنية لم يكونوا يعرفونها من قبل، وظلوا محافظين عليها، وملتزمين بها.

5‏- كتاب (المبسوط) من أشهركتب القاضي إسماعيل، وهو يمثل منهج البغداديين المتميز في التأليف الفقهي، ومدونتهم الفقهية التي ظلت مرجعًا أساسيًا ومعتمدًا فترة من الزمن، ثم يتحول أيضًا إلى مرجع أساسي من مراجع المدارس الفقهية المالكية الأخرى، وذلك عندما يتم تبادل النتاج العلمي بين المدارس، وتنفتح على بعضها، فيقتبس منه ابن أبي زيد، وأبو الوليد الباجي في مؤلفاتهم.

6‏- تفوق علماء المدرسة المالكية بالعراق في الجمع بين الأساليب النقلية والعقلية للاستدلال على مذهبهم، والرد على المذاهب الأخرى، وقد مكنهم من ذلك نبوغهم في علمي الجدل والخلاف.

7‏- كان تبادل الدواوين والكتب بين المدارس الفقهية المالكية يتم عن طريق الرحلات ‏والاتصالات التي كان يقوم بها علماؤها، ويتولون خلالها التعريف بمؤلفات مدارسهم والرواية لها، والإجازة بها، الأمرالذي أدى إلى التلاقح بين المدارس وتأثير بعضها في بعض.

8‏- تلاقت المدارس المالكية وامتزجت فيما بينها، من خلال المؤلفات التي مكنتهم من مقارنة الأقوال الواردة عن إمام المذهب ورواياته، والوقوف على حقيقة مذهبه، وعلى حقيقة من يمثله أحسن تمثيل، حتى انتهى الأمر إلى تقديم المدونة برواية ابن القاسم على غيرها - في عهد القاضي عبد الوهاب - وبذلك لحقت المدرسة العراقية بالمصرية، والقيروانية، ‏والأندلسية في العمل بمنهج واحد في ترجيح الأقوال.

9‏- تميزت المدرسة المالكية ببغداد وتفوقت في التأليف في علم أصول الفقه وتقعيد ‏قواعده، وقد ساعدهم على ذلك البيئة الفكرية السائدة في بغداد، والتي تقوم على الرأي وإعمال العقل، والتمرس على الأقيسة بكل أنواعها، وقد برز هذا التفوق بداية من القاضي إسماعيل، ومرورًا بالشيخ الأبهري وأصحابه» وانتهاء بالقاضي عبد الوهاب.

10- تميزت المدرسة المالكية ببغداد أيضًا بتطبيق قواعد الأصول في الاستدلال علي المسائل الفقهية وذلك ببيان الأدلة، وإقامة مداركها، وتعليل أحكامها، وقد ساروا في ذلك على منهج تأصيل الأصول واستكشافها باعتماد الاستدلال الأثري والنظر العقلي معًا.

11- امتاز المنهج البغدادي في الدراسات الفقهية على غيره من مناهج المدارس المالكية الأخرى في الاحتجاج للمذهب بالأدلة النقلية والعقلية، وأحسن ما يمثل المنهج ‏البغدادي، مؤلفات القاضي عبد الوهاب.

12- استطاع علماء المدرسة المالكية ببغداد أن يتفوقوا على غيرهم من علماء المدارس ‏المالكية الأخرى في إبراز الجانب العقلي في المذهب المالكي أصولًا وفروعًا، وأنه مع كونه مذهبًا يقوم على الأثر رواية ودراية، فإنه أيضًا يقوم على الرأي وإعمال العقل، ويعرف ذلك من خلال أصوله النظرية، وأن المذهب الحنفي لا يمتاز عنه في ذلك بشيء، بل إن الغلبة ‏للمذهب المالكي لاعتماده الأثر على أوسع نطاق.

13- أثرت المدرسة المالكية ببغداد في غيرها من المدارس المالكية عن طريق الرحلات ‏العلمية، والمؤلفات التي سعى علماء المدارس في الحصول عليها، ومنها كتب القاضي عبد الوهاب البغدادي.

‏وقد عمل علماء المدارس المالكية الأخرى على تطوير منهجهم، وذلك بمذج أسلوبهم ‏مع أسلوب أهل العراق في تفريع المسائل بالفرض والتقدير، وكان هذا طبيعيًا للعلاقة الوطيدة التي نشأت بين أعلام المدرسة المالكية بالعراق وبين أعلام المدارس المالكية الأخرى.

14- اهتم علماء المدرسة المالكية ببغداد بشرح مؤلفات المدارس المالكية الأخرى، كالمختصرين الكبير والصغير لعبد الله بن عبد الحكم المصري، والأسدية، والمدونة، وكتاب (النوادر والزيادات)، وقام القاضي عبد الوهاب بشرح مؤلفات ابن أبي زيد القيرواني، وهذا يدل على مدى إعجاب مالكية العراق بهذه الكتب ومؤلفيها.

تحميل البحث: 

العودة للخلف