الفعاليات الفقهية

فتوى الشيخ ابن حميد عن حكم اللحوم المستوردة من الخارج معلبة وغير معلبة

الجهة المنظمة: 

مجمع الفقه الاسلامي الدولي

تاريخ التنفيذ: 

الأحد, مايو 29, 2016

سئل سماحة رئيس المجلس الأعلى للقضاء في المملكة العربية السعودية : الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد عن حكم اللحوم المستوردة من الخارج معلبة وغير معلبة والتي كثر انتشارها في المدن والقرى وعمت البلوى بها فلا يكاد بيت يسلم منها، هل الأصل فيها الإباحة أم الحظر، نرجو بيان ذلك مفصلا ولكم الأجر؟

 

أجاب حفظه الله:

الأصل في الأبضاع والحيوانات التحريم، فلا يحل البضع إلا بعقد صحيح مستجمع لأركانه وشروطه، كما لا يباح أكل لحوم الحيوانات إلا بعد تحقق تذكيتها ممن أُهِّل للتذكية، فإن الله سبحانه وتعالى حرم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إلا ما ذكي، فهذا يدل على أن الأصل في الحيوان التحريم إلا ما ذكاه المسلمون أو أهل الكتاب بقطع الحلقوم، وهو: مجرى النفس، والمريء، وهو: مجرى الطعام والماء مع قطع الودجين في قول طائفة من أهل العلم، فما يرد من اللحوم المعلبة إن كان استيرادها من بلاد إسلامية أو من بلاد أهل الكتاب أو معظمهم وأكثرهم أهل الكتاب وعادتهم يذبحون بالطريقة الشرعية فلا شك في حله، وإن كانت تلك اللحوم المستوردة تستورد من بلاد جرت عادتهم أو أكثرهم أنهم يذبحون بالخنق أو بضرب الرأس أو بالصاعقة الكهربائية ونحو ذلك فلا شك في تحريمها، وكذلك ما يذبحه غير المسلمين وغير أهل الكتاب من وثني أو مجوسي أو قادياني أو شيوعي ونحوهم فلا يباح ما ذكوه؛ لأن التذكية المبيحة لأكل ما ذكي لا بد أن تكون من مسلم أو كتابي عاقل له قصد وإرادة وغير هؤلاء لا يباح تذكيتهم.

 

 

أما إذا جهل الأمر في تلك اللحوم ولم يعلم عن حالة أهل البلد التي وردت منها تلك اللحوم هل يذبحون بالطريقة الشرعية أو بغيرها، ولم يعلم حالة المذكين وجهل الأمر - فلا شك في تحريم ما يرد من تلك البلاد المجهول أمر عادتهم في الذبح؛ تغليبا لجانب الحظر، وهو أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر، سواء أكان في الذبائح أو الصيد، ومثله النكاح، كما قرره أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والحافظ ابن رجب وغيرهم من الحنابلة ، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام النووي ، وغيرهم كثير مستدلين بما في [الصحيحين] وغيرهما من حديث عدي بن حاتم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، فإن وجدت معه كلبا آخر فلا تأكل ، فالحديث يدل على أنه إذا وجد مع كلبه المعلم كلبا آخر أنه لا يأكله تغليبا لجانب الحظر، فقد اجتمع في هذا الصيد: مبيح وهو: إرسال الكلب المعلم إليه، وغير مبيح وهو اشتراك الكلب الآخر؛ لهذا منع الرسول صلى الله عليه وسلم من أكله، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: إذا أصبته بسهمك فوقع في الماء فلا تأكل متفق عليه، وفي رواية عند الترمذي : إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل وقال: حسن صحيح عن عدي بن حاتم .
قال ابن حجر في الصيد : إن الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرامي أعم من أن يكون أثر سهم رام وآخر، أو غير ذلك من الأسباب القاتلة فلا يحل أكله مع التردد، وقال أيضا عند قوله (وإن وقع في الماء فلا تأكل)؛ لأنه حينئذ يقع التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء، فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم فهذا يحل أكله.

 

قال النووي في [شرح مسلم]: إذا وجد الصيد في الماء غريقا حرم بالاتفاق. اهـ ، وقد صرح الرافعي بأن محله ما لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم مثلا فقد تمت ذكاته، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم : فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك فدل على أنه إذا علم أن سهمه هو الذي قتله أنه يحل، انتهى ملخصا من [فتح الباري]، وقال الخطابي : إنما نهاه عن أكله إذا وجده في الماء لإمكان أن يكون الماء قد أغرقه، فيكون هلاكه من الماء لا من قبل الكلب الذي هو آلة الذكاة.

 

وكذلك إذا وجد فيه أثرا لغير سهمه، والأصل: أن الرخص تراعى شرائطها التي بها وقعت الإباحة فمهما أخل بشيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي: اهـ.

 

مما تقدم: يتضح تحريم اللحوم المستوردة من الخارج على الصفة التي سبق بيانها؛ وأن مقتضى قواعد الشرع يدل على تحريمها، كما في حديث عدي وغيره في اشتراك الكلب المعلم مع غيره، وفيما رماه الصائد بسهمه فوق في الماء لاحتمال أن الماء قتله، وفيما رواه الترمذي وصححه: إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع أنه لا يأكله، فإنك ترى من هذا أنه إذا تردد الأمر بين شيئين مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر، وليس في حديث عائشة في [الصحيحين] وغيرهما: أن قوما حديثي عهد بإسلام يأتوننا باللحوم فلا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سموا الله أنتم وكلوا ؛ لأن الحديث في قوم مسلمين إلا أنهم حديثو عهد بكفر بخلاف تلك اللحوم المستوردة من الخارج فإن الذابح لها ليس بمسلم ولا كتابي، بل مجهول الحال.

 

كما بينا فيما تقدم من أهل البلد إذا كانت حالتهم أو معظمهم يذبحون بالطريقة الشرعية وهم مسلمون أو أهل كتاب فيباح لنا ما ذبحوه وإن كانوا يذبحون بغير الطريقة الشرعية، بل بخنق أو بضرب رأس أو بصاعقة كهربائية فهو محرم، وإن جهل أمرهم ولم تعلم حالتهم بما يذبحونه فلا يحل ما ذبحوه تغليبا لجانب الحظر، ولا عبرة بما عليه أكثر الناس اليوم من أكلهم لتلك اللحوم من غير مبالاة بتذكيتها من عدمها، والله المستعان.

العودة للخلف