الدراسات الفققهيه

الشفاعة في الفكر الإسلامي

رقم الدراسة: 

3

تصنيف الدراسه الفقهية: 

المعاملات

اسم الباحث: 

الدكتوره : منال سمير الرافعي

المقدمة :

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

تعد الأمور الغيبية من السمعيات التي لا يستطيع العقل معرفة حقيقتها، وإنما يكون طريق ثبوتها القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وليس في مقدور العقل الاستقلال بإدراكها ما لم يرد من الشرع ما يثبتها ويوضحها، وإن كان العقل لا ينكرها.

وعلى الرغم من ذلك فقد شغل الفكر الإسلامي بهذه الأمور الغيبية محاولًا الوصول إلى معرفة كنهها وحقيقتها وتفسيرها علمًا بأنها تخرج عن نطاق العقل الإنساني لأنها غيب محجوب من شئون الآخرة لا يستطيع العقل أن يحيط بأسرارها ولا مجال للعقل لإثباتها، ويجب الإيمان بها وتصديقها كما جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

 

ولعل من الأمور الغيبية التي كثر حولها الخلاف والنقاش بين العلماء والمفكرين المسلمين موضوع الشفاعة ولمن تكون في يوم القيامة حين يقوم الناس فيه لرب العالمين للسؤال والحساب والثواب والعقاب، ذلك اليوم الذي يقضيه الخلائق في الحشر ويشتد بهم الهول في ساحة العدل ويطول بهم الموقف فيتمنون تعجيل الحساب لخلاصهم من هول ما يلقون، وحينذاك يلجئون عن إلى من يشفع لهم ويخلصهم من ذلك الموقف العصيب.

وقد جاء ذكر الشفاعة في كثير من آيات القرآن الكريم يفيد بعضها نفي الشفاعة، وبعضها الآخر ينص على إثباتها، كما وردت أحاديث نبوية كثيرة تثبت الشفاعة ولا تنفيها.

ومن هنا كان اختلاف العلماء والمفكرين- قديمًا وحديثًا- حول موضوع الشفاعة، والخلاف قديمًا لم يكن حول ثبوتها وإنما كان الخلاف حول ثبوتها لمن؟ أي للمؤمنين جميعًا؟ أم للمؤمنين المذنبين فقط؟

أما حديثًا فقد اتسعت هوة الخلاف فشمل نفي الشفاعة مطلقًا في الآخرة لأنها لو ثبتت لأدى ذلك إلى التهاون بأوامر الدين ونواهيه والتواكل والاعتماد عليها.

لذا فما أحوجنا اليوم- وقد اضطربت الأقوال وتباينت الآراء- لتوضيح جوانب هذه القضية التي شغلت الفكر الإسلامي قديمًا وحديثًا، والتي ذهب العلماء في تفسيرها مذاهب شتى، وخاض المفكرون في جوازها أو عدمه اتجاهات مختلفة.

ولما كان أكثر الناس لا يعلمون وجه الحق فيها فقد كانت هذه الدراسة رغبة قوية للبحث فيها وبيان آراء العلماء وتوضيح أوجه الخلاف بينهم في هذه المسألة تبعًا لاختلاف مذاهبهم ومناهجهم.

ويرتكز منهج البحث في هذه الدراسة على آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التي وردت في موضوع الشفاعة ثم عرض الآراء المختلفة حول هذا الموضوع، حيث يتم بيان أوجه الخلاف وأدلة العلماء التي احتجوا بها ثم مناقشتها والرد عليها بالأدلة المستمدة من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة.

 

 

الخاتمة:

الشفاعة ثابتة بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وهي جائزة عقلًا، ودليل ذلك جواز غفران الذنوب عقلًا وسمعًا، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فشفاعة المولى عبارة عن عفوه ورحمته، ولا يشفع أحد إلا بإذنه تعالى ورضاه، وإذن الله تعالى غيب لا يعلمه غيره فلا يصح التواكل والاعتماد عليها لأنه لا ينفع أحدًا في الآخرة إلا طاعته ورضاه.

وليس معنى الشفاعة أن الله سبحانه وتعالى يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع، وإنما هي إظهار كرامة للشافع ومنزلته عند ربه بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه.

وقد أجمعت الأمة على أن لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شفاعة في الآخرة، ولكنهم اختلفوا في شفاعته صلى الله عليه وسلم لمن تكون؟

فذهب أهل السنة إلى أن شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تكون في حق المؤمنين جميعًا، وتأثيرها يكون في إسقاط العذاب من المذنبين الذين توعدهم الله بالعقاب، وخالفت المعتزلة جمهور المسلمين من أهل السنة، فقالوا: إنها للمستحقين للثواب، وتأثيرها في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه.

 

ومذهب المعتزلة قائم على عدم جواز الشفاعة لمن ارتكب كبيرة ومات ولم يتب منها فهو مخلد في النار ولا يجوز أن يعفو الله تعالى عنه، ويرتبط موقفهم هذا بالأصل الثالث من أصولهم الخمسة وهو "الوعد والوعيد" فالله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، وهو تعالى يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب.

ولقد احتج المعتزلة على مذهبهم هذا بآيات قرآنية استدلوا منها على نفي الصفات للعصاة من

المؤمنين، إلا أن استدلالهم بهده الآيات ليست في محلها، فقد صرح أهل السنة بأن هذا الآيات نزلت في شأن الكفار والمشركين، ولم ترد في حق المؤمنين، ودليل ذلك وجود آيات أخرى دالة على ثبوت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من المؤمنين.

وعلى ذلك فمذهب أهل السنة هو المذهب الحق، وأن الشفاعة ثابتة للعصاة من المؤمنين، وأن المؤمن العاصي لا يخلد في النار إذا مات على التوحيد بنص القرآن الكريم والأحاديث النبوية، الشريفة، بل هو في مشيئة الله إن شاء غفر له وعفا عنه بفضله وإن شاء عذبه في النار بعدله، ثم يخرجه من النار برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته. 

العودة للخلف