الدراسات الفققهيه

أفضل أنساك الحج

رقم الدراسة: 

2

تصنيف الدراسه الفقهية: 

العبادات

اسم الباحث: 

الدكتور / عبود بن علي بن درع

المقدمة

المناسك :جمع منسك ، والأصل : أن المنسك مكان العبادة أو زمانها ، ويطلق على التعبد فهو على هذا يكون مصدراً ميمياً بمعنى التعبد ، قال الله جل وعلا : لكل أمة جعلنا منسكاً (1) أي متعبداً يتعبدون فيه ، وأكثر إطلاق الفقهاء المنسك أو النسك على الذبيحة ، قال تعالى : قل قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين(1) والفقهاء رحمهم الله جعلوا المنسك ما يتعلق بالحج والعمرة ، لأن فيهما الهدي والفدية ، وهما من النسك الذي بمعنى الذبح.

قال ابن قيم رحمه الله : لاخلاف أنه لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة ، وهي حجة الوداع ، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر (2)

ولكن اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في نوع نسك النبي صلى الله عليه وسلم فأقول : اعلم - رحمك الله - أن النسك ثلاثة أنواع : تمتع ، وإفراد ، وقران .

فالتمتع : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فإذا فرغ منها ، ولم يكن معه هدى أقام بمكة حلالاً ، حتى يحرم بالحج من مكة يوم التروية من عامه ذلك.

والإفراد : أن يحرم بالحج ثم يفرغ منه ، ثم يخرج إلى أدنى الحل فيحرم منه بالعمرة .

والقران : أن يجمع في إحرامه بين الحج والعمرة جميعاً من الميقات أو يهل بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف ثم يقتصر على أفعال الحج وحده (3)

فإذا علمت هذا فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في نوع نسك النبي صلى الله عليه وسلم على قولين مشهورين :

 

 

الخاتمة بعد النظر في المسألة ظهر لي والله أعلم بالصواب ما يلي :

1- أنه إذا أفرد الحج بسفرة ، والعمرة بسفرة ، فهو أفضل من القران والتمتع الخاص بسفرة واحدة.

قال ابن تيمية - رحمه الله - : وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر ، وكان يختاره للناس ، وكذلك علي رضي الله عنهم ، وقال عمر وعلي في قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله قالا : إتمامهما أن تهل بهما من دويرة أهلك.

أما إذا أفرد الحج واعتمر عقب ذلك من أدنى الحل ، فهذا الإفراد لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من الصحابة الذين حجوا معه ، بل ولا غيرهم ، فكيف يكون هو الأفضل مما فعلوه معه بأمره ؟ .

2- أما إذا أراد أن يجمع بين النسكين ( الحج والعمرة ) بسفرة واحدة وقدم إلى مكة في أشهر الحج، ولم يسق الهدى فالتمتع أفضل له.

قال ابن تيمية - رحمه الله - فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين حجوا معه ولم يسوقوا الهدي أمرهم جميعهم أن يحجوا هكذا : أمرهم إذا طافوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها متعة ، فلما كان يوم التروية أمرهم أن يحرموا بالحج وهذا متواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بذلك وحجوا معه كذلك ، ومعلوم أنهم أفضل الأمة بعده ، ولا حجة تكون أفضل من حجة أفضل الأمة ، مع أفضل الخلق بأمره ، فكيف يكون حج من حج مفرداً واعتمر عقب ذلك ، أو قارناً ولم يسق الهدي أفضل من حج هؤلاء معه بأمره ؟ .

3- وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة ، ويسوق الهدي ، فالقران أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قرن ، وساق الهدي .

قال ابن تيمية : ومن قال : إنه مع سوق الهدي يكون التمتع أفضل له ، قيل له : مع أن هذا مخالف للسنة إذا أحرم قبل الطواف والسعي كان قد تقدم إحرامه ووقع الطواف والسعي عن الحج والعمرة ، وإذا أحرم بعدهما لم يكن الطواف والسعي واقعاً إلا عن العمرة.

ووقوع الأفعال عن حج مع عمرة خير من وقوعها عن عمرة لا يتحلل منها إلى أن يحج ( يريد التمتع العام الذي هو بمعنى القران ).

قال العلامة ابن قيم رحمه الله :

بقى أن يقال فأي الأمرين أفضل ، أن يسوق ويقرن ، أو يترك السوق ويتمتع كما ود النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله.

قيل : قد تعارض في هذه المسألة أمران :

أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم قرن وساق الهدي ، ولم يكن اللـه سبحانـه ليختار له إلا أفضل الأمور ولا سيما وقد جاءه الوحي به من ربه تعالى وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم .

والثاني قوله ، لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة .

فهذا يقتضي أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي ، لأن الذي استدبره هو الذي فعله ، ومضى فصار خلفه

والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعد ، بل هو أمامه ، فبين أنه لو كان مستقبلاً لما استدبره ، وهو الإحرام بالعمرة دون هدي ، ومعلوم أنه لا يختار أن ينتقل عن الأفضل إلى المفضول بل إنما يختار الأفضل ، وهذا يدل على أن آخر الأمرين منه ترجيح التمتع .

ولمن رجح القران مع السوق أن يقول : هو صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله مفضول مرجوح ، بل لأن أصحابه شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه هو محرماً ، وكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به مع انشراح وقبول ومحبة ، وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وتأليف القلوب ••• فصار هذا هو الأولى في هذه الحال • فكذلك اختياره للمتعة بلا هدي ، وفي هذا جمع بين ما فعله وما ودّه وتمناه ، ويكون الله سبحانه قد جمع له بين الأمرين أحدهما بفعله له ، والثاني : بتمنيه ووده له ، فأعطاه أجر ما فعله ، وأجرمانواه من الموافقة وتمناه . وكيف يكون نسك يتخلله التحلل ولم يسق فيه الهدي أفضل من نسك لم يتخلله تحلل ، وقد ساق فيه مائة بدنة ، وكيف يكون نسك أفضل في حقه من نسك اختاره الله له ، وأتاه به الوحي من ربه .

فإن قيل : التمتع وإن تخلله تحلل ، لكن قد تكرر فيه الإحرام ، وإنشاؤه عبادة محبوبة للرب ، والقران لا يتكرر فيه الإحرام ؟

قيل : في تعظيم شعائر الله بسوق الهدي ، والتقرب إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرد تكرر الإحرام ، ثم إن استدامته قائمة مقام تكرره ، وسوق الهدي لا مقابل له يقوم مقامه• والله أعلم بالصواب . 

العودة للخلف