القاهرة :عبدالحكيم بحيري
طالبت دراسة أعدها الشيخ مصطفى الزرقا "رحمه الله" بإعادة النظر في بعض الآراء الاجتهادية السابقة في فهم نصوص الزكاة الواردة في القرآن والسّنة النبوية .
وأوضح الزرقا أن تطبيق بعض الآراء الفقهية المذهبية في الزكاة على بعض المستجدات من أنواع الأموال أظهرت نتائج غير مستساغة في ميزان مقاصد الشريعة الإسلامية .
وكشف الزرقا أن هناك أنواعا من الأموال برزت في العصر الحديث ، لم تكن معروفة قبلاً في العصور الفقهية، كما شاعت طرق للاكتساب والاستثمار لم تكن مألوفة.
محتويات الدراسة
وقد شملت الدراسة قسمين :
الأول : عرض تمهيدي عام لقضية الزكاة .
الثاني : زكاة العقارات المأجورة والآليات الكبرى والآبار الارتوازية وما أشبهها.
نوازل في حاجة إلى اجتهاد
وذكر الزرقا مثالين لحالتين رءا فيهما الحاجة إلى اجتهاد جديد.
المثل الأول
قال الزرقا :" في الخمسينات الماضية، حدثني أناس متعددون عن رجل من كبار الملاّكين في دمشق أنه يملك أكثر من ثلاثين عقارًا مأجورًا مابين منزل سكني وحانوت تجاري. ويعيش من بخله عيشة الفقراء المحرومين، وهو متدين مواظب على العبادة من صلوات وصيام، قالوا: لكنه لا يخرج زكاة ! ويعتمد في ذلك طريقة شرعية. قلت : كيف ذلك وإن غلات عقاراته وحدها تؤلف ثروة كبيرة؟
قالوا : إنه كلما تجمع لديه من غلة العقارات مبلغ يكفي لشراء عقار ولو صغيرًا إنه يشتريه به قبل أن يحول الحول على تلك الغلة، لأن الزكاة في قيمة العقار لا تجب، ما لم يكن العقار متخذًا للتجارة به بيعًا وشراء كسائر السلع التجارية في المتاجر. وأما غلته من الأموال الكثيرة فلا تجب فيها الزكاة إلا إذا حال عليها الحول، وهو يشتري بها عقارات أخرى قبل أن يحول عليها الحول.
قلت: يا سبحان الله لهذا التناقض: رجل يملك عشرات العقارات والمباني تغل له أضخم الموارد لا تجب عليه زكاة، ورجل آخر تاجر في دكان صغير يرتزق منه تجب عليه الزكاة عن رأس ماله وربحه؟ أهكذا يوجب الشرع الإسلامي؟ اللهم إن هذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر في فهم النصوص.
المثل الثاني:
وساق الزرقا مثلا آخر قائلا :" من مدة غير بعيدة، حدثني بعض الزملاء المتتبعين لأحوال العالم الإسلامي عن إندونيسيا، وهي أكبر دولة إسلامية في عالمنا اليوم أن المذهب الفقهي السائد فيها هو المذهب الشافعي. ومعلوم أن المذهب الشافعي والمالكي يريان بشأن الزكاة فيما تنبت الأرض أن لا زكاة إلا فيما يُقتات ويُدّخر ويُيبّس من الحبوب والأثمار- كالحنطة والشعير والذرة والعدس والحمص والأرز وأشباهها. ويفسرون ما يقتات بأنه ما يتخذه الناس قوتًا غذائيًا مما يعيشون به في الحالات العادية غير الاضطرارية.
فلا زكاة عند المالكية والشافعية فيما لا يقتات الناس به عادة وإن كان مما يدّخر كاللوز والجوز والفستق والبندق وحب الهال والقرنفل وسائر الأبزار والتوابل.
وكذلك لا زكاة في الفواكه التي يقتات بها ولكنها ليست مما ييبس ويدّخر كالبرتقال والتفاح والرمان والخوخ وأمثالها. فلابد من اجتماع الصفتين أو الشريطتين معًا: كونه مما يقتات به، وكونه أيضًا مما ييبس ويدخر.
وقد ترتب على ذلك مفارقات وتناقضات عجيبة من ظهور بعض أنواع جديدة من الأموال والثروات الزراعية الثمينة في عصرنا هذا كالمطاط الذي تعتبر إندونيسيا من مراكز إنتاجه الكبرى في العالم. فملاّكو مزارع شجر المطاط الواسعة الشاسعة التي تنتج أهم الثروات ويعتبر أصحابها من أغنى الناس، ليس عليهم زكاة في محاصيلهم العظيمة من المطاط، بينما زارع قطعة أرض بالرز أو القمح أو الشعير عليه زكاة في محصوله.
تعليق
واستنكر الزرقا مثل هذه الحالات وأكد أنه من الخطأ أن ينظر إلى الزكاة على أنها فريضة تعبدية محضة كالصلاة، يطبق فيها النص الذي أوجبها دون تعليل ولا قياس، موضحا أنها فريضة اجتماعية اقتصادية سياسية تحكمها العلل الموجبة، ويجري فيها القياس، وتسري فيها قاعدة المصالح المرسلة والاستصلاح كما في المعاملات، ويمتد حكمها على كل جديد من أنواع المال النامي، ومن صور الاستثمار والاستغلال التي لم تكن معروفة من قبل.
وخلص الزرقا إلى أن ما قررته المذاهب الفقهية. في تفاصيل أحكام الزكاة -كما في غيرها من أركان الإسلام- معظمه اجتهادي غير قطعي، بحسب ما رجح لدى كل من فقهاء السلف "رضي الله عنهم" من فهم لنصوص الكتاب في عموماتها، ولبيانات الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بينه لأصحابه.
وأشار الزرقا إلى أن الأحداث وتطور الحياة ووسائلها قد تدل على أن نصوص الكتاب والسنة وراءها احتمالات أبعد وأوسع وأشمل مما حدده بعض فقهاء السلف في بعض القضايا بحسب واقع الحياة في عصورهم، مشيرا إلى أن تطور الحياة ومستجداتها أبرزت آفاق فيها لم تكن منظورة، مما قد يجعل بعض الآراء الفقهية الاجتهادية تحتاج إلى إعادة النظر في فهم النصوص، وتقرير الأحكام المناسبة في الموضوع بنظر اجتهادي جديد.
وتابع الزرقا أنه كلما تكشف الزمن ومستجداته عن نتائج متناقضة مع مقاصد الشريعة في تطبيق بعض الأحكام بحسب فهم اجتهادي سابق، وجب أن نتهم ذلك الفهم السابق، وننتقل عنه، لأن صاحبه على جلالة قدره غير معصوم، ومصدر النص معصوم، مؤكدا أن الميزان الواجب تحكيمه في ذلك هو ميزان مقاصد الشريعة ومسلماتها المقررة التي لا جدال فيها.
الخلاصة
وانتهي الزرقا في دراسته إلى اجتهاد مختلف بشأن زكاة العقارات المأجورة والآبار الارتوازية ومقالع الأحجار ؛ حيث خالف الاجتهادات السابقة بهذا الشأن ورأي ضرورة التعامل مع هذه الحالات كالتعامل مع زكاة الزروع تماما .
وشدد على ضرورة أخراج الزكاة من أجرة العقارات المأجورة بمجرد تسلم إيجاراتها مباشرة وفق ضوابط وشروط حددها في دراسته ؛وذلك درءا لمن يتحايلون على الزكاة كالحالة سابقة الذكر وأشباهها .
تحميل الدراسة على هذا الرابط
http://www.islamfeqh.com/Nawazel/NawazelItem.aspx?NawazelItemID=371