د. محمد بن علي الأخرش
منذ عقود من الزمن وكرة القدم تستحوذ على اهتمام المشاهدين في جميع أنحاء العالم، وما يسمونها بالمباريات والدوريات، والكؤوس والفعاليات بشتى أنواعها تتخذ طابعاً جماهيرياً كبيرا يستقطب في لمعانه وبريقه الجماهير على اختلاف بلدانها وأعمارها، وألوانها.
لكن اللافت للنظر في عالمنا اليوم يجد الاهتمام المبالغ فيه لمشاهدة ومتابعة مباراة كرة القدم، ولم يكن ليقتصر الأمر على العامي أو غير المتعلم بل تعداه إلى النخبة المثقفة، بل إلى المرأة في عقر بيتها، فكم سمعنا وكم رأى الناس نساءً يتابعن المباريات ويتحمسن لها، ويتركن شؤونهن من أجلها.
ومما زاد الطين بلة، والأمر تعقيداً، أنه أضحى من يتابع هذه المباريات الكروية ويشجع ذلك الفريق ويتحمس لتلك اللعبة، ويزداد ولعه بها طائفة ممن ينتسب إلى أهل العلم والمعرفة والخير، فقد رأينا من بعضهم الحماس الزائد للكرة وأصحابها من قبلهم حتى أنك لتشك أن الذي أمامك ويحدثك عنها أنه عارف بتفاصيلها الدقيقة كما لو كان أمضى جل وقته في دراستها على غرار العلوم التي درسها وعلمها.
وإن القلب ليؤلمه ما وصل الحال إليه مع أولئك النفر، فمع ما يشوب هذه المباريات من بعض الشبه، وأن أقل الأحوال فيها الكراهة إن لم يكن التحريم، حيث عمّ البلاء بها تلك الثلة المتعلمة والمثقفة بله بعض طبقة طلبة العلم، ولي وقفات خصوصاً مع الطبقة الأخيرة فأقول:
-ألم يعلم أولئك ما يكتنف هذه اللعبة من المحاذير الشرعية مثل:
-رؤية العورات، ولا يسلم من ذلك أحد من اللاعبين، بل حتى من هم على مدرجات الملاعب، فكم ترى من عورة أمر الله بسترها وعدم النظر إليها.
-رؤية النساء حاسرات بل وعاريات على مدرجات الملاعب العالمية، واللقطات التي تظهرن تتعمد أن تظهرهن وهن بجانب الرجال، وما يفعل معهن من بعض التصرفات التي لا يرضاها عاقل فضلا عن مسلم فضلاً عن طالب علم أو عالم.
-سماع الموسيقى المحرمة والصاخبة التي تصم الآذان، وخصوصا إذا فاز فريق على فريق، فيا طالب العلم أين الأدلة التي تدل على الوعيد على المستمع لهذه الأمر.
-الحماس الزائد وغير المنضبط والذي لا يليق بطالب العلم بأي حال من الأحوال، فكم سمعنا ورأينا من بعض طلاب العلم من يشتد بهم الحماس لهذا الفريق أو لذاك حتى يبدأ الواحد منهم يتعصب ويستدل على ما ذهب إليه من الرأي بالمعقول والمشاهد، والمحسوس، بل تعدى الأمر عند أناس أنهم طبقوا الولاء والبراء مع إخوانهم بسبب هذه اللعبة.
-الحب والموالاة والبغض والبراءة والتي تدلف إلى قلب طالب العلم من جراء ما يشاهد، وكما قيل: مع كثرة الطرق يلين الحديد.
- ترك الأوقات تضيع سدى بسبب مشاهدة المباريات، ومتابعة الأندية والبطولات، ونحن نعرف أن جلّ بل كل السنة فيها هذه اللعبة، فما إن ينتهي موسم إلا ويعقبه مواسم، وطلاب العلم نحسبهم أن حريصون على أوقاتهم أن يضيعوها على مثل هذه اللعبة.
-تعود المراء والجدال والشدّ والخصام جراء هذه المنافسات بين من يشاهدونها، والمسلم مأمور أن يبتعد أن المراء والجدال حتى وإن كان محقّاً فما بلك به بين طلبة العلم وعلى هذه اللعبة.
-ومن محاذير هذه اللعبة الحب والبغض لغير الله سبحانه، وهذا الأمر وأن كان يجهله بعض العامة فلا ينبغي أن يغيب أذهان طلبة العلم، خصوصاً وأنهم قدوة لغيرهم في هذا الباب وغيره.
-ومنها كذلك وهذا مشاهد ملموس محسوس إحْيَاءُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، والعَصَبِيَّاتِ القَوْمِيَّةِ، ولقد رأيت بأم عيني ممن يتسم بسمات طالب العلم من يتعصب لفريقه ودولته على حساب الفريق الآخر ودولته، حتى أنه لينافح عن ذلك منافحة المتعصب ويلبسه لباس الدين والورع وأن أصحاب اللعبة من المسلمين أولى من غيرهم بالفوز في هذه اللعبة.
-ومن الأمور المقيتة بهذه اللعبة في حق طلاب العلم والمنتسبين إليه ما يعطونه من أثر سيئ على الناشئة سواء أكانوا أولاداً لهم أم طلاباً أم عامة، فينما يشاهدون ويسمعون من طالب العلم، والمشتغل بالفقه ولعه بهذه اللعبة وحديثه عنها حديث العالم الخبير بها فما لا شك فيه أنهم سيقلدونه، بل وسيعتبرون ذلك أمراً مباحاً إن لم يكن أمراً مندوباً إليه، من خلال رؤيتهم لذلك المشتغل في أمر العلم وهو من هو ينافح عن اللعبة ويشاهدها ويتحدث عنها.
-ومن المحاذير الشرعية التي يقع فيها طلاب العلم الهمز، واللمز بالمسلمين من خلال حديثهم عن الفرق المنافسة لفريقهم في هذه اللعبة.
-ومنها كذلك العجب والتفاخر بل يصل إلى التكبر.
-ومنها المُبالغة في الإطراء، والثناء المذموم على اللاعبين حتى ولو كانوا من أسوأ الناس خلقاً في الملاعب وغيرها، وهذا لعمري هو الفساد الذي يقع فيه المشتغل بالعلم فكثيراً سمعنا من بعضهم الإطراء على لاعب الفريق الفلاني ليس ألا لأنه يلعب للفريق الوطني أو الفريق المحبوب.
-ولقد سمعت بأناس يتركون بعض ما هم عليه من العلم ونشره إذا حان وقت هذه اللعبة، وهذا إن حصل فإنه يدل على استحكام هذه اللعبة في نفوسهم، فعليهم مراجعة أنفسهم ومحاسبتها، فعليهم تعقد الأمة آمالها فلا يخيبوا أمل الأمة.
والمحاذير كثيرة ومتنوعة لكن أحببت أن أنبه إخواني طلاب العلم والمشتغلين به إلى أن السقطة منهم غير السقطة من العامة، وأن الخطأ منهم يعظم ما لا يعظم من غيرهم، ومن أراد الاستفادة من الموضوع فعليه برسالة جيدة في بابها للشيخ ذياب بن سعد الغامدي فقد أوفى موضوع كرة القدم ما يستحقه من التفصيل، والله نسأل أن يبصر طلاب العلم وأهله بالحق، وأن يجعلهم خير معين للناس على فهم هذا الدين، وصلاة ربي وسلامه على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.