القاهرة :عبدالحكيم بحيري
شهدت المغرب في الآونة الأخيرة سجالا فقهيا حادا بشأن فتوى الدكتور أحمد الريسوني والتي حرم فيها التسوق من المحال الكبرى التي تبيع الخمور إلى جانب بضائعها الأخرى المباحة شرعا .
المقاصد من التحريم
واستند الريسوني في فتواه التي صدرت في 18 ديسمبر الماضي إلى فقه المقاصد، وعلل تحريمه للتسوق في المتاجر التي تبيع الخمور لأنها تسبب مفسدتين : أولهما أن التسوق من تلك المتاجر يعد نوعا من أنواع الدعم المادي والمعنوي لتجارة الخمور والقائمين عليها ، واعتبر ذلك الدعم نوعا من التعاون على الإثم والعدوان واستدل بقوله تعالى"{ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب } المائدة2.
أما المفسدة الثانية للتسوق من تلك المتاجر أن اعتياد التردد على أماكن بيع الخمر، ومشاهدتها معروضة على عموم المسلمين، بل ومشاهدة مسلمين يبيعونها ويقبضون ثمنها، وآخرين يشترونها ويمضون لشربها، من غير إنكار ولا نصح ولا اعتراض ولا تعليق، يجعل كل هذه المشاهد والأفعال وضعا طبيعيا وتطبيعا لهذه الفاحشة الوبائية الخبيثة حسب ما رآه الريسوني في فتواه مما يسبب بلادة في إحساس المسلم تجاه المنكر وتعوده عليه .
وشن الريسوني هجوما عنيفا على أرباب تجارة الخمور مؤكدا أنهم ليسوا مجر آثمين عاصين لربهم، بل هم مفسدون للبلاد ومعتدون على العباد، عن وعي وسبق إصرار وترصد، وكشف أن لهم خططهم واستراتيجياتهم لتوسيع استهلاك الخمور والزحف بها على كافة المدن والقرى، وعلى كافة فئات المجتمع .
استثناء :
وأثارت الفتوى جدلا كبيرا في المجتمع المغربي ووردت بعض الاستفسارات إلى الفقيه المغربي بشأن الحرج والضيق الذي سببته فتواه لكثير من المسلمين المضطرين للشراء من تلك المتاجر أو ممن يعيشون في الغرب ؛ ورد الريسوني في فتواه الجديدة على بعض تلك الآراء موضحا أن "هذا ليس سوى تلبيس إبليس؛ فالمتاجر التي تبيع الخمر لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من الأسواق والمتاجر الكبيرة والصغيرة المنتشرة في طول البلاد وعرضها، والأسواق والمجمعات التجارية المتعددة الاختصاصات التي لا تبيع الخمر توجد في كل أنحاء المدن، بل هي أكثر انتشارا وأقرب منالا من ذوات الخمور".
ورغم تشديده على ذلك إلا أنه أكد على حكم المضطر في هذا الأمر، وقال: "لو فرضنا فرضا أن بعض الناس تعرض لهم ضرورة أو حاجة ملحة لا يستطيعون قضاءها إلا من محل يبيع الخمر، فهذه حالات يكون لها حكمها وتقديرها، وكل واحد فقيه نفسه وخبير حالته"، وشدد على أن فتواه الأولى تتعلق بالدول والمجتمعات الإسلامية، وأما الأقليات المسلمة فلها شأن آخر، ولهم أحكام قد تتفق وقد تختلف مع ما نحن فيه".
سجالات فقهية
وأبدى بعض العلماء والدعاة اعتراضهم على فتوى الريسوني باعتبارها تسبب حرجا ومشقة على المكلفين ومنهم الشيخ عبدالباري الزمزي الذي اعتبر الفتوى غير واقعية ، ورأي أن الدخول إلى مثل هذه المتاجر والأسواق جائز ولا شيء فيه .
وأضاف أن الدخول إليها والتسوق منها وشراء السلع المباحة لا يعني الدفاع عن الخمر وغيرها من المحرمات، ولكن المقصود جلب التيسير ورفع الحرج عن المتسوقين الذين يلجئون إلى هذه الأسواق لكونهم يجدون فيها كل ما يحتاجون من مؤن وأغراض وتغنيهم عن التجول في المتاجر والأسواق المختلفة ليستكملوا شراء ما يريدون من حاجات ومطالب.
وأبدى الزمزمي اندهاشه من الفتوى مشيرا إلى أن تحريم الدخول إلى الأسواق الحديثة لما فيها من الحرام يستلزم تحريم الحضور في كل لقاء أو مؤتمر تحضره نساء عاريات متبرجات متعطرات ولو كان لقاء إسلاميا أو مؤتمرا لحزب إسلامي لأن نظر الرجل إلى زينة المرأة ومحاسنها أمر محرم بينما النظر إلى الخمر أو لحم الخنزير ليس بمحرم.
واستطرد الزمزمي أن تحريم دخول المتاجر التي تبيع خمورا يستلزم تحريم ركوب الطائرات في سفر غير ضروري لما يقدم فيها من الخمور، وكذا دخول الفنادق والمطاعم والمقاهي التي تقدم فيها الخمور وغيرها من أصناف الحرام، فكل ذلك يلزم تحريمه على رأي المحرمين لدخول الأسواق الحديثة، وفي هذا القول من التعسير والتشديد ما لا يطيقه مسلم في هذا العصر، وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم "يسروا ولا تعسروا. على حد قوله.
ورفض الدكتور محمد كمال إمام ـ أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية ـ فتوى التحريم مشيرا إلى أن الخمور التي تباع في هذه المتاجر الكبيرة يكون لها قسم خاص بها فهي جزء صغير من الجزء الكبير ، والقاعدة الشرعية إذا غلب الحلال الحرام لا يحرم وذلك سداً للذريعة.
وأشار إلى أن المقاصد الشرعية تعنى ألا نعين أهل الحرام على حرامهم وأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ،موضحا أن هذه الأسواق الكبيرة قد يجمع فيها جزء حرام وهذا لا يمنع المشترى من الدخول إليها لشراء ما يحتاجه من سلع حلال ( أغذية وملابس وخضروات وغير ذلك ) موضحا أن القضية لا تتعلق بكوننا داخل دولة إسلامية أو خارجها ؛ لأن هناك الكثير من غير المسلمين داخل الدول الإسلامية والخمور مباحة لهم ، لذلك لا يوجد مانع شرعي يحول دون تسوق المسلمين من تلك الأسواق ، موضحاً أن المانع الوحيد هو شراء الخمور؛ لذلك يجب على الفقيه أن يكون على دارية وأن يكون أكثر اتزانا حتى لا نحرم ما يحله الله.
مكروه
ويرى الدكتور محمد المختار المهدي ـ الأستاذ بالأزهر الشريف ورئيس الجمعيات الشرعية ـ أن التحريم في هذه الفتوى غير جائز ، وإنما يمكن القول بالكراهة فقط ، مشيرا إلى أن عملية اختلاط الحلال والحرام قضية معروفة في الفقه الإسلامي ومبنية على أن الضرورات تبيح المحظورات ، ولكن علينا كمسلمين اتقاء الشبهات ؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ( الحلال بين والحرام بين وبينهم أمور متشبهات ).
مؤيدون
وقد أيد الكثير من علماء الأمة فتوى الريسوني ، ومن المؤيدين لها الدكتور القصبى زلط ـ عضو مجمع البحوث الإسلاميةـ الذي أكد على تحريم الشراء من هذه المتاجر .
وأوضح أن الإسلام حرم الخمر تحريماً قطعياً بنص قطعي؛ وذلك لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون ) مشيرا إلى أن العديد من المحلات التجارية تضرب بهذا النص عرض الحائط ابتغاء الكسب المادي، وحذر زلط هؤلاء من سوء فعلهم وصنيعهم مؤكدا أن الله لن يبارك لهم في أموالهم تلك مشددا على أن كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به .
وتابع زلط أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قد لعن الخمر وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه ، فكيف يأتي تاجر مسلم ليتربح من بيع الخمور؟!
ونصح زلط أرباب هذه المتاجر في كل البلاد الإسلامية أن يكتفوا ببيع السلع التي أباحها الإسلام ، وأن يمتنعوا تماما عن الاتجار في الخمور .
وشدد على أن من يتسوقون من تلك المتاجر والأسواق يرتكبون معصية كبيرة ؛ لأنهم يساعدون على ربح حرام ، والإسلام يأمرنا بالبعد عن ما فيه شبهة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( الحلال بين والحرام بين وبينهم أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ).
واستنكر من يقولون بأن هناك غير المسلمين وهم من يشترون الخمر؛ لأنها في دينهم مباحة ، ورد على ذلك بأن هؤلاء (غير المسلمين ) لهم أماكن محددة يشترون منها وتباع فيها حسب معتقدهم ، وناشد كل الأفراد الذين يجاورون هذه المتاجر بمقاطعتها؛ لأن المقاطعة تعتبر سلاحاً أمر به الرسول "صلى الله عليه وسلم" في محاربة المنكرات؛ وذلك لقوله (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) ، موضحاً أن المقاطعة بالقلب معناها أن يقاطع الناس من يرتكبون المنكر.
علمانيون على الخط
وبدورهم انتهز العلمانيون بالمغرب والمتسترون تحت لافتات الجمعيات الحقوقية هذه الفتوى وشنوا هجوما حادا على الفقيه المغربي وأصدرت جمعية "بيت الحكمة" بيانا رفضت فيه فتوى الريسوني ، وذكرت في بلاغ لها أن "رأي" الفقيه المغربي "يقوم على تجاهل تام لطبيعة المجتمع العصري، المبني على الحق في الاختلاف وعلى حرية الاعتقاد وعلى التسامح و الاحترام المتبادل، حيث لا مجال للتحريض أو التشهير بالأشخاص أو بالمؤسسات من منطلق إيماني فردي بهدف زرع البغضاء وإشاعة الكراهية و خلق أجواء الاحتقان و التوتر بين الناس.
ووصف بيت الحكمة تحريم الدخول إلى المتاجر العصرية التي تبيع الخمور بأنه "تطرف ديني و تشدد أعمى لا موجب له"، لأن المتاجر المذكورة تخصص جناحا خاصا للخمور يرتاده زبائن هذه البضاعة.
وذكر بلاغ بيت الحكمة أن القول بكون المواطن لا ينبغي أن يرى و يشاهد من يشتري الخمر أو يبيعه و أنه بذلك يساهم في "الإثم و العدوان"، هو كلام ينطوي على نظرة عدائية واضحة إلى الغير، كما أنه مخالف لقيم التسامح و الاحترام التي بني عليها المجتمع الديمقراطي الحديث" وفق تعبير بيت الحكمة.
واعتبر بلاغ بيت الحكمة أن ما قاله الريسوني هو رأي شخصي و ليس "فتوى" دينية، وشدد على أن الفتوى بالمغرب مؤسساتية و ليست فردية، و لها ضوابطها و شروطها المتعارف عليها، و ذلك لتجنب الأخطاء التي قد يقع فيها الأفراد من منطلق قناعاتهم السياسية أو أهوائهم الشخصية، وحذرت الجمعية من الوقوع في فوضى الإفتاء التي تؤدّي إلى الإضرار بمصالح الناس و إلى تهديد الاستقرار السياسي و الأمن الاجتماعي" بتعبير الجمعية الحقوقية.
وطالبت رئيسة جمعية بيت الحكمة بتغيير القوانين التي تنص على أن الخمر لا يباع إلا للأجانب، أوالقوانين التي يعاقب بموجبها مواطنون مغاربة على شرب الخمر أو اقتنائها واعتبرت تلك القوانين مخالفة لنص الدستور الذي يقر بالحريات والحقوق الفردية والجماعية وبالحق في الاختلاف؛ مما يستوجب إلغاءها لملاءمة القوانين الجنائية مع مضمون الوثيقة الدستورية، ومع ما تم التعهد به دوليا من طرف الدولة المغربية".
يا أنصار الخمر اتعظوا
وبدوره رد الريسوني على الحملة الضارية التي قادها علمانيون متشددون وأرباب متاجر الخمر في البلاد بمقالة له تحت عنوان " يا أنصار الخمر اتعظوا
وخاطب تلك الجمعيات قائلا: "ليس أمامكم -يا أنصار الخمر- أن تغيروا القانون الجنائي فحسب، بل عليكم أن تغيروا ما لا يقبل التغيير في الدستور المغربي، أي ما جاء في الفصل السادس بعد المائة من الدستور، من أن النظام الملكي للدولة، وكذلك النصوص المتعلقة بالدين الإسلامي، لا يمكن أن تتناولها المراجعة".
وختم بقوله : "وفي انتظار تغييركم للقانون أو للدستور يبقى عليكم وعلى الجميع وجوب احترام القانون وتنفيذه، والكف عن انتهاكه وعن التحريض على انتهاكه، فالفتنة كل الفتنة في تعطيل القوانين وانتهاكها والتحريض العلني على انتهاكها".
تأييد رسمي
ومنذ أيام صدر أول رد فعل من جانب المؤسسة الدينية الرسمية بالمغرب حول فتوى الريسوني وعلق محمد يسف ـ الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى بالمغرب ـ على الفتوى بقوله: "تحريم الخمر لا يحتاج إلى فتوى شرعية، بل إلى إعمال نصوص القانون الذي يحظر بيعها للمسلمين".
وقال محمد يسف في توضيحه الذي نشرته يومية "أخبار اليوم" المغربية: إن "الخمر محرمة تحريما قطعيا بالكتاب والسنة والإجماع، ويشمل هذا التحريم تعاطيها، وبيعها، وشراءها، وسائر أشكال استهلاكها، وتداولها؛ وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ولا خلاف بشأنه". وأكد في الوقت نفسه أن "التشريع المغربي يحظر بيعها للمسلمين، بل ويمنع تقديمها مجانا لهم، ويعاقب على السكر العلني".
وأشار إلى أن "الملك محمد السادس رئيس المجلس وضع سقفا لأي اجتهاد أو دعوة إلى إعادة النظر في منظومة القوانين في المملكة؛ حيث تعهد بألا يحل حراما أو يحرم حلالا.
واعتبر متابعون لهذه القضية أن فتوى المجلس جعلت حدا للسجال الدائر حول الخمر لصالح الريسوني.