الرياض :عبد الأحمد أحمدي
بما أن التحكيم العلمي ومعاييره العلمية وأسسه من القضايا المهمة في واقعنا المعاصر ، حيث إن عددا كبيرا من الفقهاء وباحثي الفقه الإسلامي يقدمون بحوثهم وأعمالهم العلمية للتحكيم والفحص العلمي ؛ وذلك من أجل التقويم والتصحيح والوصول إلى النتائج المهمة.
وفي حوارنا هذا مع الباحث فضل الله ممتاز منسق اللجان العلمية في عدد من المجلات الفقهية المحكمة نقوم بتسليط الضوء على واقع التحكيم العلمي ومدى تقبل الباحثين لهذه المعايير ونسبة نجاح التحكيم العلمي في مختلف المؤسسات والمجلات العلمية..
فإلى نص الحوار:
ماذا يقصد بالتحكيم العلمي؟
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد المبعوث رحمة الله للعالمين وآله وأصحابه أجمين وبعد:
يقصد بالتحكيم العلمي توظيف المنهج العلمي في تقويم البحوث المقدمة قبل نشرها في هذه المجلات أو المؤسسات البحثية وذلك من خلال إبراز نقاط القوة والضعف فيها، وتحديد مدى صلاحيتها للنشر.
كيف تنظرون إلى واقع التحكيم العلمي في المجلات الفقهية المحكمة؟
لا شك أن النشر أمانة جسيمة، ومسؤولية كبرى وأن المسؤولية تكون أكبر إذا كان الأمر يتعلق بالفقه الإسلامي وبيان أحكام النوازل والمشكلات المعاصرة التي تتطلب حلا من علمائها وفقهائها، وأن الأمر في حقيقته يفرض جهدا علميا مضاعفا، ومتابعة علمية مستمرة ،مع استصحاب النية المخلصة في خدمة الفقه الإسلامي والبحث عن الحلول للنوازل والمسائل المعقدة التي تستجد في حياة الناس وواقعهم، وبناء عليه يحاول الباحثون والأكاديميون الفقهاء اختيار العناوين المعاصرة للكتابة في معالجة نازلة معينة بهدف الوصول إلى النتيجة المطلوبة لكي يكون بحثه العلمي مصدرا ومرجعا في هذا المجال، كما أن بعض هؤلاء من أساتذة الجامعات وأعضاء هيئة التدريس في مختلف المؤسسات البحثية والأكاديمية والأقسام العلمية يبادرون بإرسال بحوثهم وأعمالهم العلمية إلى مجلات أو دوريات أو مؤسسات متخصصة في تحكيم البحوث العلمية وفحصها لأهداف أخرى مثل الحصول على الترقيات العلمية في الجهات التي يعملون بها أو لأغراض علمية أخرى تشترطها تلك الجهات فكان لابد من إعطاء هذه البحوث ما تستحقه من عناية علمية واهتمام خاص وبعدالة وأمانة وإنصاف وموضوعية.. بعيدا عن التحيز والأغراض التي لا تمت لمجرى البحوث العلمية ومناهجها بصلة.
ومتى يكون البحث صالحا للنشر ؟
يجب أن تكون البحوث الفقهية المقدمة " محكمة" - قد اجتازت التحكيم العلمي - قبل نشرها وتداولها في الأوساط العلمية والأكاديمية. فالتحكيم يجب أن تراعى فيه الأمانة العلمية والحق والعدل والموضوعية.. بعيدا عن المؤثرات الجانبية التي لا تستند في مفهومها إلى منهج علمي .
ما هي أهم الشروط العلمية التي يجب توافرها في البحوث المقدمة للنشر ؟
أغلب المؤسسات البحثية والمجلات المحكمة المتخصصة في الفقه الإسلامي تشترط أن تتوافر في هذه البحوث العناصر الآتية:
1- استقصاؤها لجوانب القضية أو النازلة المراد بحثها.
2- سلامة ترتيب هذه البحوث وجودة مادتها العلمية.
3- كمال توثيقها وصحة إسنادها.
4- وضوح غايتها وسلامتها بحيث تكون متوافقة مع مقاصد الشريعة الإسلامية وأصولها.
5- بروز شخصية الباحث فيها.
6- توفر عناصر الإبداع فيها.
7- تحقق الفائدة من نشرها.
8- حسن الأسلوب وسلامة اللغة والموضوعية في المناقشات والردود والترجيح.
هل التقارير العلمية الواردة من المحكمين والفاحصين تراعي هذه العناصر؟
نعم من يقرأ التقارير العلمية الواردة من أصحاب الفضيلة المحكمين يجدها عامرة بكل هذه العناصر والمحاور بحيث يعتمد المحكمون في فحص البحوث على عناصر التقويم المعتمدة المشار إليها.. فهم يرون أن الأمانة العلمية تقتضي البعد عن كل الخلافات والمؤثرات الجانبية بين المحكم والباحث وإبعاد تصفية الحسابات الشخصية وعدم استغلال فرصة غياب الطرف الآخر والانتقام منه في بحثه الذي قد يستحق عليه الشكر والإشادة والتشجيع.. كما يعتقدون أن الأمانة العلمية تقتضي الابتعاد عن أي اختلاف في التوجهات أو وجهات النظر أو الرؤى .. وتحكيم البحث وفق الأصول المعرفية والمعايير المعتمدة التي يبنى عليها والمفاهيم الإجرائية المنهجية التي ينطلق منها.. بعيدا عن الأمور والقضايا الجانبية كما ذكر.
ولكن هناك تقصير في التحكيم العلمي من بعض المراكز البحثية كما نسمع من بعض الباحثين؟
أود أن أقول أنه يجب التذكير بأن على كل مؤسسة بحثية أو المجلة المحكمة وضع العناصر التي ينبغي أن يسير عليها المحكمون في تحكيم ما يسند إليهم من بحوث والتي ترتكز في مفهومها على الأمانة العلمية والحيادية والإنصاف مع تطبيق قواعد وشروط النشر .. دون البحث عن أسباب أخرى بهدف عرقلة البحث وعدم إجازته لأمور جانبية ليس لها صلة بمسار ومنهجية البحث العلمية.، كما يجب تدوين شروط التحكيم العلمي وقواعد النشر في نموذج التحكيم المرسل إلى المحكمين .
كم عدد المحكمين الذين يقومون بتقويم البحوث ومراجعتها في المجلات العلمية المحكمة ؟
حسب علمي فإن المجلات المحكمة والمراكز البحثية تتعامل مع البحوث العلمية المقدمة إليها على الأسس المشار إليها في هذا الحوار ووفق ضوابط معينة فمن البحوث ما تتم مراجعته وتقويمه وتحكيمه من قبل محكمين اثنين أو أكثر وعلى الأخص عندما يتباين رأي المحكمين وتدعو الحاجة إلى تحكيمه من ثلاثة محكمين ولعل هذا يكون من أسباب تأخير نشر البحوث، مع أن القائمين عليها يحرصون أن يأخذ كل بحث حقه من الرعاية والعناية من قبل الفقهاء الأجلاء المحكمين..
هل يشترط القائمون على المجلات المحكمة بأن يكون المحكم صاحب تخصص معين ودرجة علمية معنية في الفقه الإسلامي؟
المحكمون في هذه المجلات العلمية الفقهية هم من كبار الفقهاء المجتهدين وأساتذة الفقه وأصوله في العالم الإسلامي تعرفهم الجامعات بتدريسهم، والمجلات العلمية ببحوثهم، والمجامع الفقهية بإسهاماتهم وعطائهم العلمي المتواصل ، وأرشيف الندوات والأندية الفقهية تزخر بمشاركاتهم العلمية.
وما مدى تقبل الباحثين في الفقه الإسلامي لما يتلقونه من التقارير العلمية بعد تحكيم بحوثهم؟
كما نعرف أن التحكيم العلمي سلاح ذو حدين، فهو من جهة يكفل للمجلات والمؤسسات العلمية المحافظة على مكانتها العلمية، وذلك باستبعاد البحوث التي لا تتوافر فيها المواصفات المؤهلة للنشر، أو البحوث الضعيفة، أو البحوث التي تشتمل على أخطاء علمية جسيمة من حيث الغاية والنتيجة ، وعدم سلامة توثيقها وإسنادها، كما أنه يستبعد البحوث التي لا تكون مستقصية لجوانب القضية أو النازلة المراد بحثها... ومن جهة أخرى فإن التحكيم يثير بعض النزاعات والمشكلات والاتهامات العلمية المتبادلة بين الباحثين والمحكمين لأن تأخر النشر وعدم حصول الباحثين على خطابات تفيد بقبول بحوثهم قد يثير الشك والتوجس من جانبهم، بالإضافة إلى سلسلة العمليات التحريرية التي تمر بها البحوث قبل نشرها وطلب إجراء التعديلات العلمية اللازمة من الباحثين على بحوثهم المقدمة وتنظيم كتاباتهم العلمية لتكون أكثر قبولا وشيوعا وأكثر جذبا لقراءتها من قبل القراء والنخب المهتمة وطلاب المعرفة .
بعد هذه الجهود الكبيرة في مجال التحكيم العلمي وتصحيح ومراجعة البحوث الفقهية ألا تزداد أهمية المجلات الفقهية المحكمة ؟
المجلات العلمية المحكمة لها أهمية كبيرة في واقعنا المعاصر فهي تقوم بدراسة مشكلات الحياة المعاصرة ويجتهد القائمون عليها لتقديم الحلول النابعة من الشريعة الإسلامية، فهي رغم صغر حجمها تعد منابر تتنوع فيها الموضوعات والبحوث ، ويغزر فيها الطرح، وتتلاقح فيها الأفكار وتتجاذب التجارب البحثية، وهي بذلك تعد أكثر حيوية وتنوعا من الكتاب وأدوات النشر الأخرى ، والحاجة إليها ماسة، وانتشارها وتنوع مواضيعها دليل على رقيها وقيمتها العلمية. كما تمثل المجلات العلمية المتخصصة التي تخضع للتحكيم العلمي مصادر معلوماتية مهمة للباحثين والدارسين، وذلك نظرا لما تمتاز به من حداثة المعلومات، وموضوعية الطرح، وتوظيف المنهج العلمي في معالجة القضايا والنوازل، وملاحقة التطورات السريعة الأمر الذي جعلها تحتل مكانة مرموقة تحظى بالقيمة العلمية في أوساط الفقهاء بوصفها أوعية متميزة من أوعية المعلومات في الفقه الإسلامي ومظانا لفقه النوازل ومصادر للقرارات والبيانات والفتاوى الصادرة عن المجامع الفقهية واللجان والهيئات الشرعية.
هل هناك حاجة للتنسيق العلمي بين هذه المجلات لضبط عملية التحكيم العلمي ولمنع نشرالمواضيع المكررة أو الضعيفة ؟
لا شك أن هذه المجلات العلمية والمؤسسات الأكاديمية بحاجة لضبط عملية التحكيم العلمي من خلال التعاون وتبادل الخبرات بهدف رفع كفاءة أعضاء هيئة تحريرها ومحكميها عبر تبادل الزيارات وإقامة اجتماعات وندوات مصغرة وتمكين بعضها لبعض من الاستفادة من قاعدة بيانات للمحكمين المسجلة في هذه المجلات من كافة التخصصات الفقهية فهناك فقيه في مجال المعاملات المالية والآخر متخصص في فقه الأسرة والأحوال الشخصية، والآخر خبير في السياسة الشرعية وفي باب الحدود والجنايات والعقوبات.. وآخر عالم بارع في أصول الفقه و القواعد والمقاصد.. مما يساعد في تحسين ظروف البحث والتحكيم العلمي وأخلاقياته ..، ويعزز النزاهة والعدالة والموضوعية ويشجع الباحثين للإنتاج العلمي والمساهمة في النهضة الفقهية وإثرائها ويفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ويجعل الساحة الفقهية غنية بالجديد والمتميز من البحوث والدراسات الفقهية وهو هدف نسعى لتحقيقه نحن القائمون على هذه المجلات لإبراز الجوانب المشرقة للفقه الإسلامي وبيان مرونة وصلاحية شريعتنا الإسلامية .
ما البحوث الفقهية التي لها أولوية النشر في المجلات العلمية ؟
المجلات العلمية ترغب في نشر البحوث التي تتميز بالخطة الحسنة، وصياغة مناسبة وجهد علمي كبير مع الأصالة وسلامة اللغة والتوثيق الجيد مع اشتمالها على المسائل التي تدخل ضمن البحوث المعاصرة بالإضافة إلى تميزها بعناصر الجودة والإبداع والاجتهاد الفقهي والبحث عن الحلول العلمية لمسائل النوازل.