القاهرة : مي محمود ـ عبدالحكيم بحيري
شهدت الآونة الأخيرة سجالات فقهية بشأن تعارض الكثير من الفتاوى عبر الفضائيات المتعددة والمواقع الالكترونية المختلفة مما أوجد حالة من البلبلة في أوساط المهتمين بالشأن الفقهي وجمهور المتابعين وإزاء ذلك تعالت الكثير من الأصوات مطالبة بتقنين الفتوى في محاولة لتوحيدها في بعض القضايا الهامة والشائكة والتي تمس الشأن العام ولذلك كان لموقع الفقه الإسلامي هذا الحوار مع الأستاذ الدكتور عباس شومان ـ أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر.
-ما رأيكم حول الفتاوى المباشرة في الفضائيات ؟
-لا مانع من الإفتاء في الفضائيات وغيرها من الوسائل الإعلامية مباشرة ، بشرط أن يكون المفتي مؤهلا للإفتاء ، ويكون متخصصا في الشريعة الإسلامية ؛ فالتخصص يقلل التضارب في الفتاوى بين مفتٍ وآخر.
-هل كل ما يطرح من مسائل في البرامج المباشرة يمكن الإجابة عليها ؟.
-ليس كل ما يطرح من أسئلة يمكن الإجابة عليها على الفور، فبعض المسائل تحتاج إلى إمعان فكر ومراجعة لأقوال الفقهاء وغيرهم من أهل الاختصاص ، وبخاصة في المسائل المستحدثة ،والمسائل المتعلقة بالاكتشافات العلمية العملية في الطب وغيره، وكذا المعاملات المستحدثة في البنوك كبطاقات الائتمان وغيرها، فلا يستطيع الفقيه الإفتاء في هذا المسائل إلا بعد فهمها وتكييفها بالتكييف الشرعي المناسب لها، وقد يحتاج في هذا إلى مراجعة أهل الاختصاص،وهذا يحتاج إلى وقت ، لاسيما إن كان أهل الاختصاص يختلفون حول الحقيقة العلمية للمسألة محل الفتوى، كزراعة الأعضاء، والتطعيم ضد أنفلونزا الخنازير والاستنساخ ..وغير ذلك،أما الأمور المتعلقة بالعبادات كالصلاة والزكاة وغيرها فيمكن الإجابة عليها مباشرة.
-ما أهم المجالات التي لا يمكن للفقيه أن يجيب عليها ؟
-المجالات العلمية(الطب،الكيمياء،الأحياء...الخ)،والمعاملات المستحدثة في البنوك وغيرها.
-هل فضيلتكم مع برامج الفتاوى المسجلة ؟
-بالقطع . الفتاوى المسجلة أكثر دقة وانضباطا من الفتاوى المباشرة؛ لأن عند المسئول في المسألة الفرصة لاستيعابها، وبالتالي تخرج الفتوى منضبطة
-وماذا عن تضارب الفتاوى عبر الفضائيات ؟.
-إذا كان المقصود بالتضارب الاختلاف بين مفتٍ وآخر، فهذا لاشيء فيه ، فقد يفتي فقيه برأي ترجح عنده، ويفتي آخر برأي آخر ترجح عنده، وهذا كثير في فقهنا الإسلامي، ولا مشكلة فيه بل فيه توسعة على الناس،لاسيما إن علمنا أن كل مجتهد مصيب، وأن السامع للفتاوى له أن يأخذ بما يناسبه من هذه الفتاوى بشرط أن تتفق الفتوى مع رأي مذهب أو أكثر من مذاهب الفقه الإسلامي.
أما إن كانت الفتاوى أو بعضها يتعارض مع رأي فقهاء المذاهب، ولا تتوافق مع رأي فقيه فيها فهي من الخطأ الذي يجب ألا يلتفت إليه، بل ويجب مسائلة صاحب الفتوى.وهذا لا يقع فيه مختص في علوم الشريعة ، ولكن يحدث كثيرا من غير المختصين والذين يجب منعهم من الإفتاء أصلا.
-هل يمكن تقنين الفتاوى عبر الفضائيات وكيف يتم ذلك ؟
-تقنين الفتاوى ممكن، لكن يصعب عبر الفضائيات؛ لأن الفضائيات غير محدودة جغرافيا،والفتوى تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، فما يناسب بلدا قد لا يناسب بلدا آخر في نفس الزمان لاختلاف المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وما يناسب بلدا في زمان قد لا يناسبه في زمان آخر، ولذا فالتقنين يجب أن يكون لمنطقة لا يوجد بين مواطنيها تفاوت كبير في ظروفهم وحياتهم المعيشية.
-ما أهم المشكلات التي لاحظتها كفقيه في برامج الفتاوى المباشرة ؟
-أهم الملاحظات أن أكثر من يتصدون للإفتاء عبر الفضائيات من غير المختصين في الفقه الإسلامي، وإن كان بعضهم له منزلته و مكانته في تخصصه، وكذلك فإن بعض من يفتون ليسوا على اطلاع وإحاطة بالمستجدات العلمية، والتقنيات الحديثة المستخدمة في تكنولوجيا المعلومات وغيرها،ولذا تخرج الفتاوى منفصلة تماما عما يناسب العصر.
-وهل برامج الإفتاء المباشرة تسبب حرجا للفقيه؟.
-لا ينبغي للفقيه الحقيقي أن يتحرج من شيء ؛ لأنه لا ينبغي أن يتردد في أن يقول لا أعلم إن سُئل في مسألة لا يحضره فيها الجواب، كما كان يفعل سلفنا الصالح أمثال الأئمة أصحاب المذاهب وغيرهم، بل من قبلهم امتنع رسولنا عن إجابة السائلين في كثير من المسائل ، وكان يستمهل السائل حتى ينزل الوحي بالجواب. لكن هذا يحتاج إلى تغيير ثقافة المجتمع حيث يعتبر كثير من الناس أن العالم لا ينبغي أن يعجز عن الإجابة في أي مسألة تـُعرض عليه وهو غير صحيح.
أما إن كان المقصود بالحرج هو خشية إغضاب أصحاب السلطة بفتواه فهذا ليس من شيم العلماء. فالعالم يتحرى الحق دون خوف أو حرج، وهذا لا يعني بالضرورة أن يتصادم بفتواه مع ما عليه العمل في بلده، بل يجب عليه أن يتخير من الأقوال والآراء ما يوحد كلمة الأمة ويدرأ الفتنة.
-ما ضوابط الفتوى بشكل عام ؟
-أهم ضوابطها،أن تتفق ورأي فقيه معتبر إن كان للفقهاء السابقين فيها رأي، وألا تتصادم وقواعد التشريع ومقاصد الشريعة إن كانت في الأمور المستحدثة ، وأن تناسب الزمان والمكان، وألا توقع الناس في الحرج، فمن أسس شرعنا نفي الحرج عن المكلفين.
-ما أهم ضوابطها في الفضائيات ؟.
-الضوابط السابقة،ويضاف إليها الاقتصار على ما يصلح للناس في كل مكان لا في مكان بعينه دون سواه، وألا يتأثر المفتي بسياسة القناة التي يتحدث من خلالها أو بتوجهاتها وانتمائها.
-وماذا عن اختلاف الفتوى بتغيير المكان ؟.
-فاختلاف الفتوى باختلاف المكان أمر طبيعي، فمن المعروف أن الإمام الشافعي له القديم في الفقه وهو ما قاله في العراق والجديد وهو ما قاله بمصر، وبينهما اختلاف في كثير من المسائل يرجع في معظمه إلى اختلاف المكان، فقد قال مثلا وهو في العراق من سرق تبنا أو خشبا لا تقطع يده،لأن أهل العراق كانوا يعدونه تافها ولا يمنعون أحدا من أخذه، وقال في الجديد من سرق تبا أو خشبا يبلغ النصاب قطعت يده؛ لأن أهل مصر يعدونه من المال المتقوم.
-هل هناك جهود تبذل من المؤسسات الفقهية لمحاولة تقنين الفتوى ؟.
-الجهود تبذل قديما وحديثا، وكان من أبرزها المجلة العدلية التي عملت عليها الحكومة العثمانية، وقد صاغ العلماء أعضاء المجلة كثيرا من المسائل الفقهية على هيئة المواد القانونية، ولكن للأسف لم يكتمل المشروع، ونسمع بين الحين والحين محاولة هنا وأخرى هناك، وعلى كل حال .. فالفقه بحالته التي بين أيدينا كاف لسد حاجة الناس في كل ما يعرض إليهم في حياتهم.
-وماذا عن المخاوف بشان الحجر على الفقهاء إذا تولت الجهات الرسميّة الإفتاء فقط ؟.
-هناك بعض الأمور التي يجب أن يقتصر الإفتاء فيها على الجهات الرسميّة كتحديد بداية الشهور، وما يتعلق بالصالح والأمن العام للدولة، فهذه الأمور يجب أن يقتصر الأمر فيها على الجهات الرسميّة منعا للفوضى والاضطراب بين أفراد المجتمع، وهناك الكثير من الأمور التي لا يحق لجهة رسمية ولا لغيرها منع أهل الاختصاص من الإفتاء فيها، فقد كان العلماء من الصحابة يفتون في عصر الخلفاء، وفي سائر العصور ولم يُمنع أهل الاختصاص في عصر من العصور من الإفتاء فيما يحسنونه من الأمور، وعلى كلٍ فمنع أهل الاختصاص ـ إن وقع ـ لن يحرجهم. فالإفتاء ليس مغنما في ذاته ، بل السلامة في تركه إن وجد من يفتي الناس.
-كلمة في الختام لمن يتعرضون للإفتاء .
-في الختام أهمس في أذن العلماء والدعاة من غير الفقهاء: الجرأة على الإفتاء وقاكم الله وإيانا من شر عاقبتها التي تعلمونها، ولنتدبر قول سلفنا الصالح: "لا تتخذوا من ظهورنا متنا إلى جهنم"وقول رسولنا :"القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في النار،أما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به بين الناس فهو في الجنة، وأما اللذان في النار فرجل عرف الحق فقضى بغيره فهو في النار،ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار".