الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
لا يخفى على المسلمين ما أصاب أهل جدة- أعانهم الله- من جرَّاء السيول التي هاجمتهم، وهم آمنون ساكنون، فكان مَصابُهم جللا، وكربهم عظيما، وحزن لذلك كل من علم بمصيبتهم، كما لا يخفى ما خلَّفته تلك المصيبة من خسائر في الأنفس والأموال، فبعد ما كانوا آمنين مستقرين، تبدلت أحوالهم، وانتكست أمورهم، فإلى الله المشتكى، وعليه التكلان، نسأل الله تعالى أن يكشف عنهم هذه الكربة.
ونتيجة لذلك كثر جدا السؤال عن حكم الاستفادة من الأموال التي تقدمها شركات التأمين، وهل يجوز أخذ مبلغ التأمين كاملا، أم لا يجوز إلا أن يأخذ بقدر ما دفع فقط؟
فرأت أمانة موقع الفقه الإسلامي طرح هذا الموضوع المهم كحلقة نقاش الكترونية، نستنير فيها بآراء المشاركين، وتتنوع فيها وجهات النظر.
والتأمين التجاري -والذي يمكن أن ينتفع به المتضررون- لا يخلو من صورتين:
الأولى: التأمين التجاري الاختياري.
الثانية: التأمين التجاري الإلزامي.
ففي التأمين التجاري الاختياري، يجوز للمُؤمِّن أخذ المبلغ الذي دفعه، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، أما المبلغ الزائد على مدفوعاته، والذي تقدمه شركة التأمين بمقتضى عقد التأمين، فقد اختلف أهل العلم فيه على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز للمؤمِّن أن يأخذ ما زاد على المبلغ الذي دفعه؛ لاشتمال العقد على عدة محاذير شرعية، كاشتماله على رِبَوَيِ الفضل والنسيئة، واشتماله على الميسر، وكون العقد بهذه الصورة غرراً ظاهراً.
القول الثاني: أنه يجوز الانتفاع بمبلغ التأمين كاملا، لكن في حالات:
الحال الأولى: الحاجة الشديدة، والتي يلحق المسلم فيها حرج شديد إذا لم يأخذ المبلغ كاملا.
الحال الثانية: فيما لو قُدم له التأمين تبرعاً كما تفعله بعض الشركات مع موظفيها، أو بعض البنوك مع حاملي بطاقاتها؛ لعدم وجود علل التحريم في هذه الصورة .
الحال الثالثة: إذا عقد التأمين تابعاً لعقد آخر كحافز ونحوه.
وينطلق هذا الاتجاه من أنه يتعامل مع عقد التأمين على أنه عقد من عقود الغرر فحسب، والغرر يجوز في أحوال منها: الحاجة الشديدة، والتبعية، والتبرع.
وفي حال التأمين الإلزامي، فالأمر يختلف يسيرا عما سبق من حيث النظر إلى الأدلة، وقد اختلف أهل العلم فيه على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز للمؤمِّن الأخذ من التعويض، إلا بقدر الأقساط التي دفعها لشركة التأمين فقط، وهذا بالاتفاق كما تقدم؛ وذلك لوجوه:
الأول: أن ما أخذ من الإنسان ظلماً يجوز له استرداده؛ لأنه حق له متى وجد إلى ذلك سبيلا، ولا يزيد على ذلك؛ لأنه ليس حقاً له، والأصل فيه المنع.
الثاني: أن الضرورات تقدر بقدرها، فلا يأخذ إلا ما دفع بناءً على أنه ملزم بالتأمين.
الثالث: أن في هذا المال شبهةً، والمسلم عليه أن يبتعد عن المشتبهات.
القول الثاني: أنه يجوز له أخذ ما زاد على المبلغ الذي دفعه، وهو رأي لبعض الفقهاء المعاصرين، تخريجا على ما إذا حكم القاضي بحكم، وكان المحكوم له يرى عدم استحقاقه لما قضى به القاضي، وكانت أدلة هذه المسألة ظنية، فهل لهذا الشخص أن يأخذ ما حُكِمَ له به مع أنه لا يرى استحقاقه؟ وفيها خلاف على قولين:
القول الأول: أنه يجوز، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنابلة .
القول الثاني: أنه لا يجوز له الأخذ ، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية .
والله الموفق.